النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

أين ذاك الزمن الجميل؟

رابط مختصر
العدد 9443 الاحد 15 فبراير 2015 الموافق 26 ربيع الآخر 1436

كلما تقدمت بنا السنون نتذكر ونتحسر على ذلك الزمن الجميل الذي فقدناه بعد أن عشناه صغارا منذ أكثر من نصف قرن، والذي لم يتبقَ لنا منه إلاّ الذكريات التي أصبحت تدق عقولنا ونفوسنا حيناً بعد حين. ما زلت أذكر الوالدة – رحمها الله – عندما ترسلني لبيت إحدى الجارات وتقول لي: «إذهب لبيت أم محمد وقل لها: أمي تسلم عليج وتقول لج تبغي راسين بصل».. كانت الحياة بسيطة.. الجار يطلب من جاره دون حرج، والجارة تطلب من جارتها دون خوف.. كان الفريج أسرة واحدة كبيرة.. الكل يساعد الآخر بما يستطيع دون منّة.. وما هي إلاّ أيام حتى تعود الوالدة لتبعث لتلك الجارة نصف درزن بيض من دجاجاتها التي تربيها في البيت. هكذا كانت الحياة آنذاك.. بساطة ما بعدها بساطة، وتعاون الكل مع الكل.. كانت صحون الأرز والسمك والكباب والخنفروش تتهادى بين المنازل، ولا يأتي وقت الغداء إلاّ وامتلأت السفرة بأنواع من صحون الجيران.. «واترس بطنك يا يوعان».. وما زلت أذكر كيف أن صيادي السمك وأصحاب الحظور يوزعون الكثير من أسماكهم على الأسر الفقيرة من أهل الفريج طمعاً في الثواب من الله سبحانه وتعالى. أما إذا كان أحد أرباب الأسر يريد أن يبني له ولأسرته «برستي» أو « كُبَر» أو «عريش»، فإن رجال وشباب الفريج يهبون في «فزعة» لمساعدة ذلك الشخص ويبنون له مسكنه دون مقابل سوى ما يتكرم به عليهم من الحلوى والرهش وفناجين القهوة.. أما إذا تعرض أحدهم لضائقة مالية أو تراكمت عليه الديون، فإن الجميع يحاول مساعدته ويطلبون من الدائنين الصبر عليه حتى تنفرج أزمته. وفي حال أن رغب أحد شباب الفريج أن يكمل دينه ويتزوج فإن الجميع يتعاونون مع أسرة ذلك الشاب وتلك الشابة ويساعدونهما بما يستطيعون.. «فالفرشة» أي غرفة الزواج تتساعد نساء الفريج في إعدادها وتجميلها بالمناظر والمرايا وإخفاء ما بها من عيوب، والنسوة يزيِّن العروس ويغسلن شعرها ويمشطنه و«يعجفونه» ويحنين أياديها وأرجلها ويعطرن ملابسها حتى تصبح ملكة جمال الفريج، والرجال لا يبخلون بالنصيحة للمعرس الجديد، وربما أهداه أحدهم بشته «ليكشخ» به ليلة الزواج، بل إن بعض الأغنياء من أهل الحي يساعدونه ببعض الأموال حتى يبدأ حياته الزوجية وهو مرتاح البال. وإذا حدث أن مات أحد رجال الفريج وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن الجميع وخاصة الميسورين لا ينسون أرملته وعيالها الذين أصبحوا يتامى بعد فقدهم لوالدهم، فهم يتفقدون أحوالها ويمدونها بما يستطيعون خاصة في فترة العدّة، وتأتي نساء الفريج لزيارتها ومواساتها والتخفيف من أحزانها. هكذا كانت الحياة قبل نصف قرن .. بساطة وتعاون.. فلماذا تغير الحال بعد الحال، وأصبح الشخص لا يعرف جاره، وربما تكون شقته في مقابل شقة جاره، لكنه لا يعرف اسمه ولا يزوره ولا يسأل عنه. وأصبح المرء إذا ما احتاج لبعض المال أن يلجأ إلى البنوك الربوية ليقترض منها ويحمّل نفسه ما لا تطيق.. تحولت حياتنا إلى ماديات فقط، ولم يعد الشخص يسأل عن أقاربه، بل ربما هجر أباه وأمه وأصبح لا يراهما إلا في المناسبات والأعياد. آهٍ .. واحسرتنا على ذلك الزمن الجميل.!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا