النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10815 الأحد 18 نوفمبر 2018 الموافق 10 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

التصورات حول الأوضاع العربية

رابط مختصر
العدد 9424 الثلاثاء 27 يناير 2015 الموافق 5 ربيع الآخر 1436

لا شك أن الأوضاع في مساحة الجغرافيا العربية تمر في منعطف حاد، بعد أن تخطى تراكمُ الاستبدادِ و الفسادِ و سوءُ الادارةِ النقطةَ الحرجة؛ و النقطة الحرجة هي محطة تغيير الاتجاه و الإقبال على تحولات نوعية تمس كامل الهيكل الهرمي للكيانات ما قبل النقطة الحرجة، و ميزة النقطة الحرجة، في ظل قوانين الجدل، أنه لا عودة الى ما قبلها، و انه من الحكمة لأطراف العلاقة التيقن من هذه الميزة شبه المطلقة، فالقادم قادم مهما تَلَمَّظَ طرف في الصراع مذاق العهد الذي وَلَّىْ، فلقد أقفلت النقطةُ الحرجةُ الأبوابَ الكبيرةَ للماضي بفعل الماضي ذاته. والقادم من الايام بعد منعطف التغيير ليس بالضرورة أن يكون أفضل من ماضي العهد والزمان، ولكن قانون التغيير الذي يرتكز على جدلية العلاقة بين ألكم و النوع، لا سبيل الى تخطيه أو الالتفاف حوله بغية المحافظة على سوابق الايام، مثلما الشيخوخة، وهي تحول نوعي بفعل تراكم سنين العمر؛ ولا يمكن للبعير تَحَمُّلَ تراكم الأثقال الى ما لا نهاية، فهناك تلك القشة الأخيرة المُضافة الى ألكم الهائل من القش والتي تودي بحياة البعير. وعلى خطى هذا المنعطف الحاد وتغيير دفة المسار وحتمية قانون التغيير، تمر الساحة العربية بمرحلة انتقالية تتسم باللهيب الحارق، والرعب الدموي الى مستويات المجازر، والعنف المدمر للبنية الاساسية الى هاوية التبسط والنتوآت على سطوح الارض المعمورة والمسكونة وإلى التردي و الردى. وما هذا العنف والدموية في مرحلة التغيير إلّا إنعكاس لطبيعة العلاقة التي كانت تتحكم بين الأطراف المتصارعة في مراحل ما قبل الانعطاف الى مسار التغيير. هكذا هكذا، و إلّا كيف يمكن بناء صرح جديدٍ إن لم يكن على أنقاض ماضٍ قد مضى. وما صار عنفاً إلّا مما كان عنفاً ، و ما صار الردى إلّا مما كان قد تردى؛ فِعْلٌ بِفِعْلٍ، والسابق على الحاضر أبدي. هذا واقع قائم، تتعارك فيه أطراف المكون الوطني على مساحات الاوطان العربية، وتتعاطى معه قوى إقليمية ودولية، وتتشكل مع تعدد بؤر ومواقع التعارك تحالفات ذات مصالح متضاربة ومتناقضة؛ وهذا التداخل والتدخل أمور يفرضها واقع العصر والزمان، حيث أن دول العالم كلها متشابكة في نسيج من المصالح، منها المتناغمة ومنها المتناقضة، ومن البديهي و الحالة هذه، أن تحرص دول الجوار والدول البعيدة على مصالحها وترصد مجريات الأحداث الساخنة وتتدخل بما يتلاءم مع مصالحها، وعادة ما تكون هذه المصالح، وخاصة مع الدول الكبرى، مرتبطة بأجندات استراتيجية تتخطى المدى المنظور للمصالح الى مدى أبعد وأهداف أعمق من مجرد المصالح بالتعريف الوطني المحدود؛ وهذه الدول الكبرى تضم مساحات مناطق النفوذ في دائرة مصالحها، مما يعقد الأمور للدولة الوطنية التي تمر في مرحلة انتقالية حادة ذات أبعاد مصيرية نوعية. وهذا الواقع العربي بكل تداعياته وفعل التآكل في مؤسساته القائمة والتناحر بين مجموعاته و المؤامرات المتبادلة بين قياداته وساسته ، إلّا أنه واقع طبيعي من المنظور التاريخي بمحتوى صراع الأضداد في علاقاته الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية؛ والتاريخ شاهد بأن التحولات الكبرى في حياة الشعوب تقتضيها صراعات كبرى وتضحيات أكبر، حتى يمكن للتحول أن ينتج واقعاً نوعياً جديداً بمكونه البشري والفكري والمؤسساتي، ويرسم معادلة جديدة لاستراتيجيات قادمة تلبي حاجيات ومقتضيات و أهداف التحول الكبير. ومع هذا الواقع المعقد و المتلاطم تتعدد الرؤى والتصورات، فمنها الموضوعية الحريصة على رصد الأحداث ولملمة الحقائق وتمريرها في مختبرات الفحص والتدقيق والتحليل والخروج بنتائج تلامس موضوعية الواقع وحقائق الأمور، ومن عادة هذه الأطراف أن تكون محايدة أو مرتبطة بالمستجدات بعلاقات طبيعية، حتى وإن كانت تلك العلاقات تشوبها شيئ من الاختلاف وبعض من التناقض. ومن التصورات ما هي ذاتية النزعة تتحسس الرغبات وتستنبط الآمال مع انفاس الشماتة والحقد والكراهية، وهذه التصورات من الطبيعي والمتوقع أنها تنطلق من أكثر الجهات توجساً وخوفاً من المحيط المتعارك الذي تعيش فيه، وهي بهذه الحالة ليست في وضع طبيعي وواقعها المعاش يتسم باللاواقعية والهشاشة الوجودية؛ وهكذا فإنها تعيش عالمها الخيالي وتقرع طبول الانتصار على هوى التصارع في الضفة المعادية والمتناقضة معها سياسياً وثقافياً وحضارياً، وهذه الضفة المعادية لها هي المحيط الشامل والأشمل لِجُلِّ الجغرافيا والديموغرافيا، و هي الراسخة الباقية رغم الكوارث و المآسي. ومن نكد الزمان وفرائز الاقدار على الساحة العربية وشعوبها، هذا الزمان العصي على الهضم وتلك الاقدار التي لا مناص من مواجهتها، أن تكون دويلة إسرائيل محشورة في ثنايا الجسم العربي، لا بفعل طبيعة التاريخ ومقتضياته، بل بفعل الحشر القسري - الاستعماري - في هذا الجسم، مثلما الجرثومة في الجسم. فهذه الجرثومة محشورة بيننا وتحشر نفسها في قضايانا، وهي الصوت النشاز على الساحة العربية؛ ومن المفارقات غير المنطقية وغير العقلانية أن تترنم الدول الغربية طرباً على هذا الصوت النشاز. أصوات اليمين المتطرف والمعادي لطموحات الشعوب العربية و على رأسها اليمين الاسرائلي تتغنى بتغريدات الأماني التي تدغدغ أوتار الانا في النفس المتوجسة، واناشيد الأحلام بفضاآتها الخيالية النابعة من الخوف على الكيان وعدم الطمأنينة لاستمرار الوجود، معتبرة الواقع الحالي في العالم العربي بمثابة هلاك للمحيط الرافض لكيان شاذ في بيئة لا يمكنها أن تغذي هذه النبتة المغروسة بفعل قسري وإرادة خارجية غير مستقرة في تقلباتها المصلحية والاستراتيجية؛ وكيف أن هذه النبتة لا تعيش من ذاتها وبذاتها، بل هي تستعيش من ماء يأتيها عبر القارات ومن تربة ليست التربة التي غُرِسَتْ فيها؛ وهذا المُكَوَّنُ الاستيطاني في أصله لا يغفل ولا يُفَرِّطُ في فرصة مهما كانت هزيلة من أن يستغلها بكل أنواع الحيل والمؤامرات والتدخل من أجل شَلِّ هذا المحيط العربي الرافض، وقتل روح الرفض والمقاومة في الثقافة العربية. الواقع العربي صعبٌ الى درجات الْعُسْر المؤلم والتَعْسيرِ المرعب، وهذه مرحلة طبيعية في حياة الشعوب تقتضيها جدلية الحياة وقوانين التكوين والتغيير، بينما الواقع الاسرائيلي بناء مهزوز قاعدته دعم بارونات النظام الراسمالي، و أوهامَ أساطيرٍ مدفونة في مقابر التاريخ، وهذه القاعدة، طبيعياً وجدلياً، قابلة للتغيير والتحول من موقع جدوى الدعم الى موقع إنتفاء جدوى الدعم، والرأسمال يحسب معادلات الربح والخسارة، ومناهل الدعم قابلة للتحول من ضفة الى ضفة أخرى؛ وسوف تكون للتحولات الكبرى في الجسم العربي معادلاتها المصيرية الخاصة في كيفية التعاطي والتعامل مع الحاشر والمحشور.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا