النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

إفلاس فكري أم غطاء انتهازي أم هما معاً

رابط مختصر
العدد 9410 الثلاثاء 13 يناير 2015 الموافق 22 ربيع الأول 1436

ما أيسر أن يسوق الانسان ما شاء من أسباب وتحليلات وتفسيرات لمنتجات عراك الحياة بغثها وسمينها، من فقر وغنى وسعاة وشقاء وعمران وخراب، ولِما تنفثه أنفاس نبض الطبيعة من تَغَيُّراتٍ في معمار البيئة ومحتواها، وما تحدثه هذه الطبيعة من كوارث الإعصار والزلزال والفيضان؛ والانسان هو ضحية هذه الكوارث، وخاصة من لا حول لهم ولا قوة. والجانب الأكثر مدعاة لارهاصات التفسير والتحليل هو الكوارث، إن كانت بفعل الطبيعة أو بفعل الانسان بحق الانسان. بعد كل كارثة ينبري ذوو الاختصاص من العلماء ورجال الفكر بطرح الأسئلة والاستفسارات و دراسة الأسباب الموضوعية والطبيعية وراء تلك الكوارث والتفكر في سبل تفاديها، إن أمكن، أو العمل على حماية الانسان من آثارها، مستعينين بالادوات العلمية وقوانينها والقدرات التكنولوجية المتوفرة؛ فمثلاً عندما تنهار عمارة بالكامل على ساكنيها، وإن الامر بطبيعة الحال يعود إلى خلل في حسابات التصميم أو آليات التشييد، إن كان بقصد أو بدون قصد، ولا يمكن أن تكون هناك أسباب خارقة تتجاوز الانسان والطبيعة، فإنه من الطبيعي أن يبحث المختصون في الأسباب الهندسية و المكونات المادية وأمانة الأداء في التنفيذ ذات العلاقة بالعمران، وتحديد تلك الأسباب واتخاذ الإجراءات التي تقتضيه نتيجة البحث والتحري العلمي الموضوعي. وكذلك الحال مع الكوارث الطبيعية، فإن ذوي الاختصاص يدرسون المظاهر المختلفة للكوارث الطبيعية ويدرسون اسبابها الطبيعية، الجيولوجية منها والبيئية والكونية، ويقدمون نتائج دراساتهم خدمة للإنسان، ومن أهم تلك الجهود هو تمكن العلماء من تصميم اجهزة رصد الزلازل والاعاصير بحيث يمكن معرفة مواقيتها الكارثية، وهذا الجهد العلمي يساهم في اتخاذ إجراءات وقائية قبل حدوث الكوارث وبالنتيجة حماية الأرواح من فعلتها وآثارها. والعلماء في جهد حثيث من أجل تطوير تلك الأجهزة وغيرها من أجهزة الرصد للتغلب على بعض المفاجآت التى قد تتخطى أجهزة الرصد الحالية. هذا هو الامر الطبيعي والعقلاني والمنطقي في التعامل مع مختلف أشكال وأنواع الكوارث، ولا يمكن أن تخرج هذه الحالات عن إطار الانسان والطبيعة، وليس هناك من حل او مواجهات إلّا بجهد الانسان فكراً وعملاً، وهذا هو جدلية الانسان والطبيعة في كمال البنية والمحتوى. أمام هذا الجلال الفكري المسؤول والعلمي المنير في التعامل والتعاطي مع الكوارث خاصة و الطبيعة والانسان عامة، هناك فكر بشع قبيح تتقطر منه دماء الأبرياء، عندما ينبري ذلك الفكر لإخراج الكوارث من سياقها الطبيعي والانساني ويلصقها، هكذا بكل اطمئنان ووقاحة، الى الذات الإلهية، بأن الكوارث غضب من الله على الانسان. هذا الفكر يرصد نتائج الكوارث ويستثمرها لتبليط الطريق الى كهوف مصالحه مستعيناً بجهل العامة من جهة و مستغلاً فهماً خاصاً مؤولاً لنصوص مقدسة، بينما روح تلك النصوص أطهر و أرحم و أعظم من أن تفسرها أو تعبر عنها تلكم التأويلات الاستثمارية الانتهازية. لقد هالني وأفزعني ما قرأت عن كارثة جبل المقطم في رمضان ١٤٢٩ / سبتمبر ٢٠٠٨، عندما تساقطت صخور زنة الواحدة منها ٥٠٠ طن على فقراء «عزبة بخيت»، والذين يعيشون في اطرافها وفي بعض من ثغور كهوفها، تاركة القتلى والجرحى ؛ وقُبِرَ الفقرُ مع القتلى وازداد الفقر فقراً مع الجرحى. استلهم دكتور من أباطرة الاسلام السياسي من كارثة المقطم عبرة، مؤكداً أن: «الحوادث المتكررة للأمة - وتحديداً سقوط المقطم على ضعاف الحال - هي من غضب الله». وهذا الدكتور، ولفاجعة الأوضاع و مقدراتها الكارثية على الأمة، يتبوب موقعاً قيادياً في إحدى الاتحادات الاسلامية ذات التسمية العالمية؛ هذا الدَعِيُّ على الفكر، والمنخرط في نسيج سياسي يستثمر الدين، يستنبط نتاجاً مخزياً يتسم بالحقد والكراهية من كارثة انصبت حممها على من لا حول لهم ولا قوة، على أفقر وأضعف خلق الله، ولم يبدِ هذا الدكتور نفساً لنبض ضمير، وهيهات أن يكون هناك ضمير؛ لقد نالت هذه الكارثة من ليس لهم إلّا أجسادهم، لا نقد ولا موجودات، لا راتب ولا مسروقات، لا رشوة ولا فساد، لا كبرياء ولا تواضع، لا ماء ولا كهرباء ولا شأن لهم في مفاسد الارض، من مخازيها ومفاتنها، بل هم ضحايا المفاسد كلها، هم ضحايا الانسان والطبيعة. ويأتي منافق او معتوه او أفّاك او مفلس فكرياً أو انتهازيٌ رغم درجته العلمية ليبرر مأساة الفقراء المعدمين بأنها عقاب من رب العالمين؛ ولا نرى في هذا القول والرأي الا تَقَوُّل على الله وخروج على الدين والأخلاق باسم الدين ... لقد نبح وعوى من تفوه بهذا الإفك على بارئ الخلق، وما قوله إلّا تخرّصات ألزمتها مصالح آنانية انتهازية لا علاقة لها لا بدين ولا بمذهب ولا بفكر... ومن يكون هذا الذي عوى وأعطى لنفسه الحق ليؤكد أن الله، خالق الكون وحافظه، هو الذي قضى بهذه الكارثة على الفقراء المعدمين من ساكني «عزبة بخيت» تحت صخور المقطم؟ أليس هذا تقولاً على الرحمن الرحيم، وأن هذا القول إفكٌ ينزلق الى هاوية المساس بالذات الإلهية؟ اليوم هناك كثيرون ممن يتدثر بعباءة الدين ويَتَقَوَّلُ على الدين بغير حق وبما ليس من موارد الدين ولا اصوله ولا تفسيره ولا تأويله، إنما هي انتهازية مادية بحتة واستغلال واستثمار للدين وباسم الدين وتطاول على الدين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا