النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

فســــد الشـــــــتاء

رابط مختصر
لعدد 9397 الاربعاء 31 ديسمبر 2014 الموافق 9 ربيع الأول 1436

كان البحرينيون ينتظرون المطر، يعدون له عدته، وحتى البردي له عندهم تعامل خاص، أما البرد فتوقى شدته من خلال الملابس الثقيلة والكثيرة وأحياناً يطلقون عليها «المسادر» بالإضافة إلى «المنقلة» والجمر الذهبي اللون الذي يشعرهم بالدفء، بيوت الطين كانت كفيلة باتقاء «الخرير» ومرازيم الدور كانت كفيلة بتصريف سيول المطر وهم يتفاءلون بالمطر لأن بعده الربيع واخضرار البر ووجود «الفقع» أو أنواع العشب البري المفيد للعلاج، والمفيد «للباطنة» كما أن عيونهم على الماشية، الأغنام والأبقار فلم يكد يخلو بيت من بيوتنا من وجود الغنم أو البقر، كما أن الدواجن، الدجاج والبط والبش والحمام والأرانب تجد في خشاش الأرض ما يلبي طموحها إضافة إلى أولئك الذين كانوا يربون القطط الأليفة والكلاب لأغراض شتى، فالشتاء طعمة وما يأتي به موضع بشر وحبور، كنا صبية نفرح «بالنقع» في الفريج فهي مكان للخوض في المياه والتمتع بملامسة ماء السماء، ولا مانع من قوارب صغيرة للمتعة والسباق بين الأقران، كما أن المطر قد يكشف بعض المعثورات من تحت رمال الأرض، فالناس تفرح بالشتاء فرحهم بالصيف وما فيه من خيرات ومناسبات و»قعدات». عندما يذهب موعد المطر المأمول وهو «الوسم» فرجال ذلك الزمان يعتبرون مجيئه بعد ذلك إضافة، لكنه لا يرضي طموحهم مثل «الوسمي» وحتى البحر يجود بأنواع السمك التي ترضي طموح البحارة من خلال «الحظرة» أو «القراقير» أو «الشباك» أو «الحداق» بالخيوط. وكنت تسمع بين الفينة والأخرى من يقول لك: «كل وقت ما يستحي من وقته» لديهم معرفة بطوالع الشتاء، وعندما لا يلبي الموسم رغبتهم وآمالهم يقولون «فسد الشتاء» أي لم يأت بما هم يتوقعونه ويأملونه. أتذكر أن جدي لأبي يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته محمد بن صالح بن سلمان الذوادي كان يملك حظرة في بحر الجسرة، وأخريين في البديع الأولى قريبة من بيتنا في الشمال حيث نجاور البحر والأخرى في الجهة الغربية من بحر البديع، وكنا نشفق على الجد من «مباراة» الحظرة في عز الشتاء والزمهرير ونحن نتدثر بالأغطية الثقيلة والمنقلة والجمر متقد وكان يرحمه الله عندما يمرض يستنجد بأبنائه الوالد إبراهيم يرحمه الله والعم سلمان، والعم صالح كما يساعده أحياناً إبن أخيه صالح بن علي بن صالح الذوادي يرحمه الله وإلا فهو الذي يتصدى لهذه المهمة بعد أن يؤم المصلين في صلاة الفجر إذا كان الوقت ملائماً لمباراة الحظور، وأحياناً يكون الوقت المناسب ليلاً حسب حركة المد والجزر للبحر. وكان هذا هو رزق أهل البحر في بلادي. إنها لقمة العيش وطلب الرزق لا تأتي بالسهل، فقد آمن الأجداد والآباء بالسعي في طلب الرزق والتوكل على الله في أقسى الظروف، وأشد الحالات، فقد كانوا ذوي عزيمة وإصرار، وإيمان بقدرة الخالق جلا وعلا بفتح أبواب الخير والرزق لهم، والسعي مع التوكل أفضل من الركون إلى الدعة وعدم تحمل أهوال الحياة. كان الناس في بلادي يفرحون بالشتاء وعلى قدر استطاعتهم تعاملوا مع شدة البرد وقتها، رغم أن الشتاء كان يحرمهم في أوقات شدته من إقتحام أمواج البحر بحثاً عن اللآلئ في الأعماق ولكن كانت عندهم قناعة بأن ماء المطر عندما يختلط مع ماء البحر، فإن محار اللؤلؤ قد يستفيد من قطرات المطر، وهذه معلومة قد تحتاج إلى تجربة علمية وفتوى يفيدنا فيها المختصون، ولكنه كان إعتقاداً أو قناعة عند أهل البحر يومها وقد يكون ذلك تفاؤلاً، فقد اعتادوا يرحمهم الله أن يكونوا متفائلين حتى في أحلك وأقسى الظروف. هل نتوقع برداً، هل ننتظر المطر هذا ما يقوله الناس في مجالسنا، وعيوننا وأسماعنا يومياً تترقب تبنؤات الأرصاد الجوية التي نغبطهم ونفخر ونعتز بتوقعاتهم التي باتت أكثر دقة بفضل العلم وارتيادهم لتقنياته المتطورة. لازلنا نأمل ببرد الشتاء ونتطلع ويتطلع أبناؤنا إلى المطر. رحم الله ابن البصرة بدر شاكر السياب الشاعر العراقي المميز «1926-1964» عندما قال في رائعته: «أنشودة المطر» عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر عيناك حين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كالأقمار في نهر يرجّه المجداف وهناً ساعة السحر كأنما تنبض في غوريهما النجوم أنشودة المطر مطر... مطر... مطر إلى أن قال: تثاءب المساء والغيوم ما تزال تسح ما تسح... من دموعها الثقال وعلى الخير والمحبة نلتقي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا