النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

داء الكلام الكبير..!!

رابط مختصر
العدد 9396 الثلاثاء 30 ديسمبر 2014 الموافق 8 ربيع الأول 1436

الكلام هو فخر صناعتنا .. البواخر تأتي إلى مرافئنا وتشحن كلاماً .. اللوريات تدخل عنابرنا وتحمل كلاماً .. تذكرت ذلك الكلام لنزار قباني، وتساءلت عما اذا كان ثمة باحث، او مركز دراسات، او جامعة، او اي جهة كانت قد حاولت ان تحصي الأموال التى تنفق فى الكلام، والوقت الذي نضيعه ونهدره فى الكلام، لعلنا نقف على حقيقة مخرجات هذا الكلام، وكم دفعنا كما يقول نزار غالياً ضريبة الكلام، والى اين ستؤدي بنا امبراطورية الكلام، هذا الكلام حين ينفصل عن معناه، او يتحول الى طبول تقرع فى الهواء !!، او يتكرر بلا انقطاع، ويصبح كلاماً يشبه بعضه بعضاً، لا طائل منه، سوى التهرب من المسؤولية، او تمييع المسؤولية، او التنصل منها، او مدارة لعجز، او جعل الناس أسرى وعود تتلاعب بعواطفهم، نكتشف في النهاية بانها وعود لاقيمة لها على ارض الواقع، وان الكلام لم يكن الا مجرد كلام لا يقدم حلا، ولا يعالج مشكلة، وثمة مثل شعبي معبر عن هكذا واقع «كثر الكلام خيبة»، رغم ان الكلام فى قاموس المعاني يعني الاصوات المفيدة، اي الكلام الموزون الذي له معنى وقيمة، وله فائدة، لا الكلام الذي يراد منه مواجهة مشاكل الواقع بالكلام، مجرد كلام، صحيح ان كمية الكلام الذي فحواه وعود ونوايا طيبة والذي قيل على مر السنوات، والذي ألفنا هؤلاء الكلاميين ينتجونه ويعيدون إنتاجه مرة ومرات، من دون حساب او دقة، او مراجعة، جعلنا نعيش المراوحة بكثير من الولع والوله، وكأن الكلام بات تعويضاً لعنصر الانجاز والعمل الفعال والمنتج، هذا هو بيت القصيد وبيت الداء ..!! فى واقعنا هناك العشرات، بل مئات الأمثلة على تصريحات لوزراء ومسؤولين كان الكلام فيها مجرد كلام، كلام انهمر علينا من كل حدب وصوب، كلام ما انفك يبث إرساله فى نطاق لم يتجاوزه، كلام أغدق علينا وعوداً واعدة، او مارس تفخيماً للذات، او تغنى بإنجازات وجدنا رقعتها تآكلت حيناً بعد حين، او تحولت الى سراب .. ووجدنا ويا للأسف من يمعن فى إغراقنا في زخم الكلام الكبير، ويحشرنا مرة تلو المرة وفي كل شأن من شؤون الدولة والمجتمع والناس في كلام كبير عائده في البداية والنهاية لاشيء ..!! في سياق ثقافة الكلام الكبير، وجدنا ان كل مشروع هو مشروع رائد، وكل قرار هو قرار حكيم وصائب، وكل استراتيجية هى استراتيجية فذة، وفي هذا الخصوص تحديداً­، وعلى سبيل المثال وبالغنا فى استخدام مصطلح «الاستراتيجية»، كثر سارعوا الى الإعلان عن استراتيجيات طالما لا معدل يقاس بها ولا معيار، وليس على من اطلقوا هذه الاستراتيجيات حرج، المهم ان هذه الاستراتيجيات أطلقت وكأنها خيارات حاسمة وعاجلة وقيل فيها وعنها الكثير من الكلام الكبير. مثال آخر، ما ان يحدث تطور او تحد اقتصادي فى السوق العالمي حتى يعاجلنا مسؤول بتصريح يؤكد اننا لن نتأثر بما يحدث، الى درجة ان اصبح تعبير اننا لن نتأثر اكليشهاً دائماً فى كل أزمة تحدث من حولنا، فالاقتصاد البحريني لايتأثر بالتقلبات العالمية، حتى الانخفاض الكبير هذه اﻻيام في اسعار النفط في الأسواق العالمية بالنسبة لدولة ركيزة اقتصادها يقوم على النفط، ظهر من بشرنا بأننا لن نتأثر، وهذا كلام لابد انه يسعدنا اذا كان يعني اننا أقوياء الى الدرجة التى تحمينا، او نستطيع بها حماية انفسنا من تأثيرات هذا الذي يجري فى سوق النفط، لكنها تصبح خيبة أمل كبيرة حين نكتشف بان هذه التطمينات لامنطق لها، لأنه حتى الموتى يتأثرون بتفاعلات التربة من حولهم. دعونا نتأمل أمثلة أخرى، واسمحوا لنا ان ننعش ذاكرتكم، ذاكرة من يـنسى او يتنــاسى، هــل تذكــرون - مثــال ليس إلا - حكاية النافورة المائية التى قيل بان تكلفتها وصلت الى 1.5 مليون دينار، والتي دشنت مقابل ساحل منطقة الجفير فى عام 2006، ففي احتفال رسمي، صرح ستة من الوزراء دفعة واحدة في شأن هذه النافورة، قالوا الكثير عنها، ومن ضمن ما قالوه ان هذه النافورة ستكون من أبرز المعالم السياحية في البحرين، ونقطة جذب للزوار الخليجيين، وقيل بانها ستكون مثل نافورة «جيت دو» في سويسرا في ارتفاعها وسحرها، والمفارقة ان هذه النافورة تعطلت وأغلقت ولم يعد احد يعرف مصيرها ولم يخضع احد للسؤال او المحاسبة، وذهب ذلك الكلام الكبير أدراج الرياح..!، وهذا كلام منشور وموثق ويمكن الرجوع اليه .. لم ننسَ في غمرة التذكر، مشاريع وخطط وبرامج اعلن عنها من سنوات، قيل فيها وعنها الكثير من الكلام الكبير، عن التطوير الإداري غير المسبوق، وعن تشكيل لجان في كل وزارة لرفع الأداء والخدمات والنظر في الشكاوى، وعن المبادرات الاستراتيجية لتحسين اداء الاقتصاد، والتعليم والتدريب والسياحة، وعن خطة للنهوض بالحركة التعاونية وعن مشروع المركز الاسلامي، وعن مرصد ضد الطائفية، وعن توجهات وكلام كبير عد بمثابة حرب على الفساد جعلنا نظن - رغم ان بعض الظن إثم - بان الفساد سوف يرتحل الى غير رجعة، وعن .. وعن .. نكتفي بهذا القدر من التذكر والتذكير وان كان هناك الكثير من التراكمات التي تدخل في سياق الكلام الكبير على امتداد السنوات الماضية، وهو أمر يثبت اننا كنا نستعيض بالشكل عن المضمون، بالأقوال عن الأفعال، بالإنجازات الورقية عن الإنجازات الملموسة، وكأننا نخلق بدأب واقعاً موهوماً «يطنطن» له الجميع، واقعاً لم يعد فيه غريباً أبداً ان تتأخر وزارات في تنفيذ برامجها ومشاريعها سنوات وسنوات طالما ليس هناك محاسبة اي مسؤول عن كلامه والتزاماته. كلامكم يا سادة لم يعد يطربنا، بل بات ترفاً غير مسموح به بعد ان تعب الكلام من الكلام ..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا