النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

كم من مسيح قبل المسيح وبعد المسيح

رابط مختصر
العدد 9382 الثلاثاء 16 ديسمبر 2014 الموافق 24 صفر 1436

تروي لنا أناجيلُ العهدِ الجديدِ كيف أنَّ يسوع إبنَ مريم حمل الصليب على كتفه، ودُفِعَ به دفعاً وهو عليم بالأمرِ، يَحُثُّ الخطى إلى مَصْلَبِ الصلبان لصلبه، وكانت جموع غفيرة مرعوبة مفزوعة تخطو الخطى على خَطْوِ اليسوع وهي تبكى لحالها قبل بكائها على اليسوع، وتتقدم الجموعَ شرذمةٌ من أدعياء كهنةِ ما توارى من توراةِ عهدٍ قديمِ تحث الحاكم بأمر الإمبراطور أنْ «اصلبوه.. اصلبوه..اصلبوه، دمه في أعناقنا واعناق ابنائنا واحفادنا الى يوم الدين»، ويتقدمُ الشرذمةَ رتلٌ صغيرٌ من جند الإمبراطور وعلى رأسهم الحاكمُ بأمر الإمبراطور، لتنفيذ حكم الموت على اليسوع بالصلب على الصليب. وصُلِبَ اليسوعُ وتَمَسَّحَتْ الجموع الغفيرة من المؤمنين الصادقين بدموعها، وفي أعماق ذاكرتها تختزن كلمات اليسوع وتقدسها، وروح الكلماتِ كلمةٌ هي المسيح. استشهدَ اليسوعُ ووُلِدَ الْمَسِيحُ. فكانت ولادةً لكل شهيدٍ حمل رسالته الانسانية من نبع وجدانه على عاتق ضميره وسعى يَحُثُّ الخطى، في تسارع دقات الزمن، الى حتفهِ، الى مولد مسيحٍ جديد. وكانت الولادةُ مطلقةً نذيرةَ الأثر، وُلِدَ المسيح من اليسوع ليعلن عن مسيحٍ ومسيحِ قبل اليسوع وبعد اليسوع. الشهيدُ مَنْ يتولدَ من استشهاده الْمَسِيحُ، كان الاستشهاد حرقاً بالنار أو صلباً على الصلبان أو قطع رقابٍ بالأسياف أو تجرع كأْسٍ من السم، إنَّ الرسالة الانسانية الحقة هي تلك التي لا ترفع سيفاً ولا تحملُ كرهاً وهي حبل المشيمة بين الشهيد والمسيح. ومَنْ مات أو قُتِلَ دون مشيمةٍ ما كان شهيداً وما صار مسيحاً. قبل يسوع المسيح وبعد يسوع المسيح فئات وجماعات تقاتل وتتقاتل في ساحة الحقد والكره والسطو والنهب وحب السلطة وكرسي السلطان وتدمير الغير والآخر تستحسن وصف قتلاها بالشهداء، قاتلان يتقاتلان فَيُقْتَلى ويوصفا بالشهداء وما هم بشهداء. مَنْ كان من القتلى لا يحمل رسالة حُبٍّ وسلام للإنسان وتحمله هذه الرسالة الانسانية الى حتفه، ما كان شهيداً ولا صار مسيحاً. إنَّ الانسان بماضيه وحاضره وبصيصُ البصيرةِ الى مستقبله تَاْريخٌ وتاريخُ، وهذا التاريخ، لا ندري متى كان مولده ومتى سيكون منتهاه، هو الكتاب الكبير الذي لا يتوقف التدوين فيه ولا يكل، مادام الانسان يتنفس ويفكر ويعمل، مادام الانسان يزرع ويحصد، مادام الانسان يُحِبُّ ويُحَبُّ، مادام الانسان يَكْرَهُ ويُكْرَهُ، مادام الانسان يَظْلِمُ ويُظْلَمُ، مادام الانسان يولدُ ويَلِدُ. إن هذا التاريخ بتلاطم التناقض بين دفتيه المتناهيتين، محفورة في صفحاته الصخرية صرخات الشهداء الحكماء صبراً وترانيم الأرواح الصاعدة مسيحاً، فصرخة سقراط الصامتة وهو يتجرع كأس السم عقاباً على تبليغه رسالته الانسانية الى أهل أثينا وبالأخص النشء والشباب من اَهلها، حكمت محكمة أثينا، بقضاتها ورجالات الأعيان فيها وبشهود من أعداء الفكر والتنوير، على الفيلسوف الانساني العظيم بالموت وإلزامه تجرع السم من كأس لا حول لها ولا قوة، وأمام جمهرة من تلامذة سقراط وأصدقائه والعجز يكبل إرادتهم والحكمة تكظم غيظهم، فانتصر سقراط الفيلسوف بالاقانيم الخالدة الثلاثة، بالشهادة الطاهرة أولاً وبالخلود مسيحاً في ضمير الانسانية ثانياً وثالثة أقانيم الفوز والنصر ان رسالة سقراط تجذرت في أعماق الضمير الانساني. نورد قصص الشهادة والمسيح لا على حصرها بل على أمثل أمثالها، فبعدما استشهد اليسوع وصار المسيح، تقاطرت على مَصْلَبِهِ رجال ونساء، كبار وصغار، يتمسحون بالصليب ويترنمون باسمه ويسترجعون من الذاكرة خصال الحب والمحبة فيه، فآمنوا به، آمنوا بالحب والمحبة فيه، آمنوا ومن ثم آمنوا حتى ثمالة الثمالة، فترنح الايمان في نفوسهم وتشبعت النفوس بحب المسيح عشقاً في ذات المسيح والاستشهاد من أجل المسيح والتطاول على الآخرين باسم المسيح، فصار الْمَسِيحُ هو الايمان وغاب إيمان الحب والمحبة، فابتدعت النفوسُ المترنحةُ عنصريةً دينيةً وانغلقت تلك النفوسُ على إيمانيتها في مسيحها وأشهرت السيوف والخناجر على رقاب من هم خارج دائرتها، فتوالت وتتابعت صلبان الضحايا وميادين المحارق باسم يسوع المسيح والمسيح بريئٌ بريئ. ومن أشهر ضحايا عشق المسيح، وفي بدايات سلطة هذا العشق المشبع بعاطفة العمى العقلي، هي العالمة الشهيرة هيباتيا، هيباتيا عالمة الرياضيات والفلك وهي التي اكتشفت أن الكواكب والشموس تدور في مدارات بيضاوية وليس دائرية، كان العلم والأخلاق بتجردهما وبصفة الإطلاق منهما نبع الايمان في عقلها ومدار الحب والمحبة للانسانية كلها، دون عنصرية دينية ولا عنصرية عرقية. ولكن رغم براءة أيْمانِها ورُقِيِّ إنسانيتها وغزارة علمها، حكمت عليها محكمة الكنيسة في الاسكندرية، وبأمر من نيافة القس الأعظم فيها، بالموت سحلاً في شوارع الاسكندرية باسم المسيح وبوازع العشق للمسيح، والمسيح يشهد ويبكي حسرة على جهالة القوم. هيباتيا شهيدة من شهداء العاطفة الدينية المتشبعة بكره الآخر. وهكذا استشهدت هيباتيا وصارت مسيحاً على أيدي الجهل الغوغائي ممن يدعون الايمان بالمسيح وعشق المسيح. وبعد هيباتيا امتزجت الشهادة بالمسيح في جملة من العلماء وأصحاب الفكر، وكان الاستشهاد المسيحي من نصيب الأنثى أكثر من الذكر بتهم السحر والشعوذة، وكانت كلها تهماً باطلة، «الاستشهاد المسيحي بمعنى التحول الى مسيحٍ بعد الاستشهاد». وممن استشهد مسيحاً في تاريخنا العربي الاسلامي هم رتل من اصحاب الفكر والعلم وطارقي ابواب التنوير، وليس من داعٍ أن نسترسل في سرد الاستشهاد الى مراتب المسيح، بل نوجز الامر في ذكر الشهداء، وهم كثر، فمنهم الحلاج الذي قطعت أطرافه وترك يتعذب لثلاثة ايام قبل قطع رأسه، وكان سلخ الجلد قبل قطع الرأس، وكان هذا المشهد الدموي الرهيب في حضرة الأعيان وبعض الفقهاء وغياب فقهاء آخرون كانت قلوبهم مع الحلاج، وقائمة الشهداء تطال يحيى بن حبش السهروردي الذي استشهد صبراً بمنعه عن الطعام، وباختزال الزمان من تلك العهود الى يومنا، فان الذاكرة حية والمشهد مازالت تتناوله كتب ومقالات عن استشهاد المفكر المصري فرج فودة، وتعرض آخرين لمحاولات الاغتيال، فمنهم من نجا ومنهم من استشهد فصار مسيحاً. كل هؤلاء وامثالهم، يحق لهم أن نضعهم على عروش الشهادة لأنهم لم يحملوا سلاحاً في اياديهم ولا حقداً في قلوبهم وهم ينادون بالاصلاح والتغيير فكراً، لا عنفاً ولا كرهاً، فحق لهم أن يصبحوا مسيحاً بعد الشهادة الحقة. ويصدق قول الشاعر في أسباب استشهادهم: حَسَدوا الفتى إِذْ لَمْ ينالوا سَعْيَهُ فالكلُّ أعداءٌ له وخصومُ كضرائرَ الحسناءِ قُلْنَ لوجهها - حسداً وبغياً - إنه لدميمُ كانوا صوتاً للكلمة وكانت الروح الطيبة تتمثل في تلك الكلمة، فبقت الكلمة خالدة واستشهد الناطقون بتلك بالكلمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا