النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

الخليج وجدل الهوية

رابط مختصر
العدد 9379 السبت 13 ديسمبر 2014 الموافق 21 صفر 1436

الخليج اليوم، أقصد دول مجلس التعاون، هو الكيان العربي الأكثر انسجاماً والأكبر انفتاحاً على العالم والأعظم إشراقاً وأملاً، نهضة عمرانية غير مسبوقة، تنمية شاملة، اقتصاد مزدهر هو الأعلى عالمياً، تعليم متطور وخدمات اجتماعية وصحية عالية، والأهم من كل ذلك وجود بيئة اجتماعية وسياسية آمنة ومستقرة، تتميز بكافة المرافق والخدمات الجاذبة لاستثمارات العالم والعقول العربية المهاجرة، الخليج اليوم يكاد يكون المنطقة الأكثر حيوية، واستقطاباً للاستثمارات شرقاً وغرباً، يحتضن الخليج أكثر من (200) جنسية بعاداتها ومعتقاداتها وثقافاتها ولغاتها، في تعايش إنساني بناء ومثمر، وعلى امتداد أجيال متلاحقة، عاش الخليجيون –وبالرغم من صعوبات ومرارات الحياة– وتعاملوا مع مختلف شعوب الأرض –تجارة وترحالاً ومصاهرة– دون عقد مرضية أو انغلاق أو استعلاء، فالخليج بهذا الانفتاح والتواصل المستمر مع العالم، هو أكبر منطقة عربية «معولمة» لكن، يتزايد إحساس الخليجيين بأنهم اصبحوا «أقلية» تتضاءل يوماً بعد يوم، وسط طوفان بشري متدفق من دول الفائض السكاني ودول المجاعة، بحيث أصبحت نسبتهم تتراوح في حدها الأدنى (15%) في بعض الدول، لتصل إلى (50%) في حدها الأعلى في بعضها الآخر، وهي نسبة مرشحة لانخفاض أكبر، في ضوء توقعات باستيعاب أعداد أكبر من العمالة خلال العقدين القادمين، ومن هنا يتزايد إحساس الخليجيين بالخوف على هويتهم الوطنية وبخاصة «الهوية الثقافية» وهناك اليوم سيناريوهات متشائمة بمستقبل مظلم للخليج، تتنبأ بأن الخليج –وفي ظل هذا الطوفان العولمي– سيفقد هويته الثقافية وخصوصيته، وستضيع لغته وتذوب شخصيته، من الطبيعي أن يستشعر الخليجيون، هذه المخاوف، لكني أرى في الأمر مبالغة، وذلك لأسباب عديدة: 1- ها نحن بعد أكثر من نصف قرن من الانفتاح والتواصل مع العالم، لم نفقد شيئاً مما كانوا يخوفوننا منه، لا ذابت شخصيتنا ولا تلاشت خصوصيتنا ولا ضعفت ثقافتنا، ولا فرّطنا في شيء من الثوابت الدينية والوطنية والقومية، بل زادت رسوخاً وثباتاً. 2- «الهوية» الدينية والثقافية والوطنية أشبه بـ «البصمة» الوراثية لا يمكن ذوبانها أو فقدانها، وستظل «الهوية» راسخة، وهي أقوى مما يتصورها البعض، فقد واجهت –في الماضي– تحديات أعظم، ونجحت، قارن: المشهد الخليجي اليوم بالمشهد العربي العام، تجد الخليج هو «الجزء السليم الصحي في الجسم العربي» مقولة عبد الله بشارة الشهيرة. 3- هناك أمم وشعوب أكثر انغماساً في العولمة، كاليابان وشعوب جنوب شرق آسيا، ومع ذلك لم تفقد تلك الشعوب شيئاً من هويتها، أو ثقافتها، فكيف نخشى من رياح العولمة ونحن أصحاب حضارة عريقة ومرجعية راسخة؟ 4- علينا أن نتفاعل مع «العولمة» ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً، تفاعل القوي الواثق بنفسه وبدينه وبثوابته وبثقافته وهويته، لأن البديل هو الانغلاق والتطرف والجمود والتعصب، عندنا من الثوابت ما يعصمنا ويجنبنا ما يصاحب التغيير من سلبيات، وعندنا من قيم ديننا ومبادئنا ما يحمينا من الانفلات، فالتغيير حتمي، وإذا لم تبادر أنت بالتغيير بالإفادة من معطيات العولمة، فإن الزمن لن ينتظرك، وسيأتي الآخرون ليغيروا رغماً عنك. 5- يجب أن لا نخشى من التفاعل –بإيجابية– مع ثقافات العالم، فعندنا من الثوابت ما يعصمنا من الذوبان، ثم إنه لا وجود اليوم لثقافة محلية صافية، لأن الثقافة اليوم، ثقافة كونية، لا تختص بقوم، بقدر ما هي تفاعل وتراكم جدلي من ثقافات عديدة. بل إن الثقافة الأمريكية التي تكتسح العالم –في ظل المد العولمي– ما هي إلا ثقافة ممتزجة من ثقافات شعوب عديدة، ولذلك فهي مقبولة، عالمياً، وهذا مصدر التفوق الأمريكي ومصدر القوة والإبداع عندهم، فهم يستقبلون هجرة دائمة، لعقول وثقافات جديدة، تتاح لها الحرية والاستقلالية الفكرية لتصوغ في النهاية ثقافة عالمية ممتدة. 6- إن الاحتماء بحصن «الهوية» في عصر «العولمة» المكشوف، أصبح غير مجد، وهو يتناقض مع التوجه الخليجي نحو جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية بتطوير التشريعات المحلية، لتنسجم مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي توجب احترام حقوق الإنسان وإزالة التمييز بين البشر، وتطالب بالتدفق الحر عبر الحدود للبشر والمال في إطار من الشفافية والإصلاح الاقتصادي والسياسي. وأخيراً: فإن المد العوملي يشكل تحدياً كبيراً أمام الخليجيين، والأجدى من الانشغال بجدل الفزعة على «الهوية» على حكوماتنا السعي نحو: تفعيل التشريعات المتعلقة بالتوطين، وتشجيع الخليجيين على زيادة النسل عبر العلاوات التشجيعية المختلفة، ومنح الجنسية لمن ولدوا وأقاموا في دول المجلس، وتشجيع الخليجيات على زيادة مساهمهن في العمل، وتطوير مناهج التعليم بما يلبي احتياجات سوق العمل، وتقرير حق المواطنة الخليجية في منح جنسيتها لأولادها وزوجها وتطوير التشريعات بما يتلاءم ومتطلبات العولمة الاقتصادية، وتطوير اجراءات ونظم استقدام العمالة، وإلغاء التمايزات بين أبناء المجتمع الواحد، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب والشفافية ومحاربة الفساد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا