النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10810 الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 الموافق 5 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:35AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:50PM
  • العشاء
    6:20PM

كتاب الايام

العنف الذكوري ضد الأنثى

رابط مختصر
لعدد 9368 الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 الموافق 10 صفر 1437

25 نوفمبر هو اليوم الذي اختارته المنظمات النسائية بمعيّة المؤسسات الحقوقية ليمثل كل عام اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة. في السابع عشر من ديسمبر عام 1999 دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحكومات، المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية لتنظيم نشاطات ترفع من وعي الناس حول مدى حجم المعاناة التي يعاني منها عامة النساء حول العالم. النساء حول العالم عرضة للاغتصاب، العنف المنزلي، ختان الإناث، التزويج القسري وفي سن الطفولة، الحرمان من الحقوق، وأشكال أخرى متعددة للعنف والظلم، وأظلم أشكال العنف ضد المرأة هو التشريع الذي يجيز إلحاق الأذى بها والانتقاص من حقوقها. ولهذا اليوم رمزية تتعلق بالمرأة ونشاطها الحقوقي والتحرري، إنَّ هذا التاريخ، 25 نوفمبر، شاهد على عملية الاغتيال الوحشية في 1960 للأخوات ميرابال الناشطات السياسيات في جمهورية الدومينيكان بأوامر من ديكتاتور الدومنيكان رافاييل تروخيلو (1930 - 1961). وهذه المناسبة التي تفتح الأبواب لدخول النور الى عقول ونفوس الرجال خاصة، تستحق، لزاماً علينا، كلمة حق وإنصاف بحق المرأة وتأكيداً على حقها في التحرر من قيود الظلام وظلمة الظلم. إنَّ الانسان كيان متكامل بتلازم ركنيه ووحدتهما وتآزر الأدوار بينهما في مسيرة الحياة لنيل سعادة مشتركة، إن هذا الكيان الانساني لا يمكن أن يكتمل في مسماه وجسمه ومغزاه دون تشابك الذكر مع الأنثى، فلا الذكر وحده إنسان كامل الانسانية، ولا الأنثى وحدها إنسانة كاملة الانسانية، إن الانسان بالمعادلة البيورياضية والمفهوم الاجتماعي يساوي الذكر مضافاً إليه الأنثى، أو الأنثى مضافاً إليها الذكر، فهما ركنان أساسيان لمخلوق يسمى الانسان. إذا اختل احدهما اختل بنيان الانسان بكامله، وإذا تأرجحت الكفة بينهما تأرجح ميزان كيان الانسان الى الوباء والتهلكة. وهذه التهلكة متواصلة الحال في أشكال من المظالم من سلطة كفة على كرامة كفة أخرى، ويأخذ تواصل الوباء مجراه الى منافذ نفوس النشء، فالوليد الذكر تاخذه تربية الحال بتراكم نزعة السلطة الى الاطمئنان على حال عدم التوازن والتمادي في التسلط على أخته الأنثى تحت سقف البيت الواحد، والوليدة الأنثى تقبل سلطة الأخ الذكر بالاستكانة له، لانها هكذا ترى الحال بين أمها وابيها، فيستقر الخطأ في ذهنها صواباً، وكذا الحال طبعاً مع اخيها الذكر. تسير سفينة الحياة بهما غير مستقرة وهي مائلة على جانب أقرب ما تكون السفينة مشرفة على الغرق، وهي وإن لم تغرق فإن تقدمها يكون بطيئًا والاتجاه يكون منحرفاً. رغم أن معادلة كمال الانسان واضحة لا غموض فيها ولا منها، وهذه المعادلة تؤكد على توازي كفة الذكر مع كفة الأنثى، من جميع الجوانب البيولوجية والفيسيولوجية والذهنية والنفسية وضرورات التجمع البشري في بنيته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلّا أن المنحى الثقافي في مفصله العقائدي والتقليدي يخالف المعادلة الطبيعية والمنطقية الى معادلة مناقضة تُخِلُّ بميزان العدالة بترجيح كفة الذكر على كفة الأنثى، ومع هذا الترجيح في كفتي الميزان تشكلت علاقة تتسم بالعنف تجاه الأنثى الى المدى الوحشي والمتلبس برداء العقيدة والتقليد الاجتماعي بقيمه المهلهلة والذي يبرر كل النزعات الشاذة والمرض النفسي في رغبات الذكر ونزعاته تجاه الأنثى، وكأن الأنثى ساحة لذة واستخدام عبودي مشاع لشخص الذكر. مازال هذا هو الحال في معظم المجتمعات البشرية رغم التقدم الحضاري بجوانبه الفلسفية والعلمية ورغم تنامي وتعمق العلوم الانسانية والدعوات المتواصلة لإعادة التوازن الى كفتي ميزان الانسان. مع تنامي وانتشار وسائل الاتصال والتواصل المعلوماتي فان الأخبار والمعلومات تنتشر بين الناس مثلما تهب الرياح من أقصى بقاع الارض الى اقصاه دونما عائق ولا مانع، وهذه نعمة العلم على الانسان، نعمة تكشف ما كان مستوراً لألوف السنين وتضع المعلومة في سمع المتلقي وتحت ناظريه بلمح البصر بين لحظة الحدث ولحظة تلقي تفاصيل الحدث. هذه الوسائل أخذت تسلط الاضواء على هوس العنف الذكوري ضد الأنثى وتفضح المنحى الاجرامي لهذا الهوس بغض النظر عن دوافعه إن كانت عقائدية عامة أو شخصية خاصة، وهذا العنف يأخذ اشكالاً مبتكرة في اتجاه تعميق العنف كي يكون أكثر إيلاماً وابعد أثراً سلبياً في حياة الأنثى جسدياً ونفسياً. تتناقل اليوم الأخبار عبر مختلف وسائل الاتصال، ومن مصادر شخصية مباشرة ومصادر رسمية عامة، عن حالات سكب ماء النار «الأسيد» على وجوه النساء في مدن الجمهورية الاسلامية في ايران، وهذا المنحى من السلوك الاجرامي والبعيد كل البعد عن الدوافع الشخصية، إذ ان المجرم لا يعرف ضحيته ولا يهمه من تكون الضحية، وقد تكون الضحية أخته أو حتى أمه، فشخص الضحية غير ذي أهمية، المهم هو الفعل بإلقاء الاذى ودون رحمة ولا اعتبار ودون واعز من ضمير، وهذا المجرم يستشف ويستنبط تبرير فعلته من سطور تأويلات فقه نصوص عقيدته وفهمه الأهوج الناقص للنص وللتأويل، ومن أَمَضِّ حالات الاجرام مأساوية أن يكون الفاعل أداة إجرامية فيتساوى عندها القاتل والقتيل في شخص الضحية. في الاراضي الفلسطينية المحتلة تتربص شرذمة من المتطرفين اليهود على قارعة الطرق وأمام المدارس الابتدائية وبيدهم العصي والحجارة ويضربون البنات الصغار ويرجموهن بسبب ثيابهن وبسبب تواجدهن في ساحة المدرسة مع الصبية. وما اكثر الحالات، في عالمنا العربي والاسلامي، التي يبيع فيها الأب ابنته التي لم تتجاوز السابعة عَلى عجوز تخطى الستين مقابل دراهم من المال لا تسمن ولا تغني، إنما البيع هو من حال القيم المشوهة والمنحرفة في عدم التوازن والتي تقضي بالتخلص من البنت والستر عليها بالسجن في دار ليست بدارها ولا ترغب فيها وهي بعد لم تعش طفولتها. كل هذا الاجرام امام الملأ من الأعيان وكبار القوم وفقهاء الأمة وأجهزة الدولة. إن حالات عدم التوازن تغطي سطح الكرة الارضيّة كلها، فها هي الهند، هند الديمقراطية وهند الفلسفة والحكمة، كانت في عز حكمتها وفلسفتها تقضي موارد العقيدة الهندوسية فيها حرق الزوجة حية مع زوجها الميت، وهناك تقارير حديثة تتحدث وبالوثائق والشهود عن وأد البنات في الهند، وإحدى هذه الوثائق تتحدث عن أمٍّ دفنت ثماني طفلات من بناتها. الحالات كثيرة ومتعددة الأشكال، ففي الصين تقدم الابنة الصغيرة روحها وجسدها أضحية لجدها أو أبيها، لأن شفاءهما هو في هذه التضحية الجسدية التي تؤدي في اكثر حالاتها الى الوفاة. حتى الحضارة الغربية بكل تقدمها وتنويريتها مازالت شريحة من الناس فيها مهووسة بسلطة الذكر على الأنثى، فحالات ضرب الزوج للزوجة موجودة رغم تحريم القانون الوضعي لهذا المسلك الاجرامي. ومن المآخذ على رأسمالية الحضارة الغربية هي استثمار الأنثى في المعارك التنافسية بين بارونات المال في الصفقات التجارية والدعايات الترويجية، وحتى المهرجانات شبه البريئة لمسابقات الجمال تحوم حولها شبهات التجارة بالأنثى وكأن صالات مسابقات الجمال ما هي سوى أسواق نخاسة مُشَرْعَنَةٌ مُشَرَّعَة، وها هنا تستطيع البصيرة أن ترى ما الذي يحاك ويدار تحت الطاولات ووراء الكواليس تفادياً لأنظار القانون. إن الرجل شاهدٌ والمرأة شاهدةٌ، الى يومنا هذا، بأن حالة عدم التوازن بين كفة الذكر وكفة الأنثى مازالت قائمة، ولكن هذه الحالة أقل مما كانت من الماضي، رغم انبعاثها من جديد وبأسلوب جديد في بعض المجتمعات العربية والاسلامية وخاصة تلك المجتمعات التي تراجعت فيها أنظمة الدولة عن مسار التقدم الى متاهات الماضي بكل تاريخيتها الماضوية ومقتضيات قيم ومفاهيم الماضي. إن عدم التوازن هذا هو قيد على الانسان وعار على الانسانية، فلا بد لهذا القيد أن ينكسر، والقوة الاساسية لكسر هذا القيد هي في يد الأنثى قبل الذكر، فصراع الأنثى ضد الذكر في دائرة ذكوريته وقِيَمِ الذكورية التي تكرس عدم التوازن. الأنثى هي السلاح الأمَضُّ في النضال من أجل كسر طوق العبودية عنها لكسر القيد عن الانسان ومحو العار عن الانسانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا