النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10843 الأحد 16 ديسمبر 2018 الموافق 9 ربيع الآخر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

عندما ينتصر حب الوطن...

رابط مختصر
العدد 9355 الاربعاء 19 نوفمبر 2014 الموافق 26 محرم 1437

أحرص على ألا يفوتني عرض الإعلانات الانتخابية التي تتزيّن بها شوارع المملكة وأزقتها وحيطان البيوت وسقوفها لمدة شهر تقريبا كل أربع سنوات، فأنا أجد في هذا العرض مشهدا يدفعني دفعا إلى حالة من الابتهاج تبلغ أقصى درجاتها حتى لكأنها النشوة، ويمطرني فرحا وزهوا بوطنية شعب هذه المملكة العظيم وبرشد حكامها. الحقيقة أن هذه المشهدية تبعث فيّ الأمل ببلوغنا المكانة العالية المرموقة التي نستحقها بين الأمم المتقدمة بشكل سريع، ولهذا وجدت بأن التجوال في محافظة المحرق في مثل هذا اليوم صار من عاداتي التي بت مجبولا عليها؛ لأُمتّع بصري وأُفرِح قلبي وأسّره بما انتشر من هذه الإعلانات الانتخابية التي ولا شك في أنها تشي بمقدار مهم من الديمقراطية وقدر واف من الانفتاح بلغهما المجتمع البحريني ويسعى البحرينيون جميعا إلى تطويرهما وتحقيق أقصى الاستفادة منهما في تحسين حياتهم وتأمين مستقبل أبنائهم. في هذا العام، وجريا على عادتي في الطواف بين الإعلانات الانتخابية والتوقف عند بعضها مما يلفت الأنظار، وتعرف أصحابها، فاجأني أحد هذه الإعلانات في منطقة البسيتين، وهي الدائرة الأولى بمحافظة المحرق، إعلان يفيد بأن الصديق الدكتور عبدالمجيد حسن البلوشي مرشح للمجلس البلدي. لم أتبين صاحب الإعلان من الاسم حتى وضحت لي صورة صاحبه، إذ أننا درجنا على تسميته «دكتور مجيد». لم يكن يدور في خلدي أن يأتي اليوم الذي أرى فيه هذا الصديق وقد ترشح للمجلس البلدي، لا لشيء إلا لأنه بحسب معرفتي القريبة منه جدا منذ أيام تزاملنا في الدراسة بجامعة الصداقة في موسكو في سبعينيات القرن الماضي ومذ جمعتني معه وآخرين طلبة أطياب قدموا من مختلف أصقاع العالم قاعات هذه الجامعة وممراتها أنه مسكون بالسياسة والفلسفة والعمل التطوعي. الحقيقة أن الدكتور بترشحه للمجلس البلدي فرض عليّ إجراء مقارنة بين من يحمل الدكتوراه ويقدم على ترشيح نفسه للمجلس البلدي، ومن هم بالكاد أكملوا المرحلة الثانوية ولا يملكون رصيدا معرفيا أو خبراتيا ويترشحون للمجلس النيابي وهم كثيرون موزعون على كل الدوائر الانتخابية بحيث لا تخطئهم العين! خلصت من هذا إلى أن صديقنا الدكتور يعطي وزنا للعضوية بالمجلس البلدي ويراها وجها مهما من وجوه التجربة الديمقراطية ومظهرا مدنيا من مظاهر التجند لخدمة المواطن والوطن أيّا كان الموقع، وهذا على خلاف ما يعتقده البعض ممن يركزون في الترشح للمجلس النيابي دون سواه وكأنهم يرون العضوية في المجلس البلدي أقل شأنا. سارعت متصلا بالصديق الدكتور سائلا إياه في عجب: «هل حقا ذلك الإعلان الانتخابي المنصوب في ...» وقبل أن أكمل سؤالي قال لي: «نعم هذا أنا وقد عقدت العزم على الترشيح إلى عضوية المجلس البلدي، بعد تشجيع من أهلي وجماعتي، ومن العضو البلدي السابق والمترشح الحالي لمجلس النواب محمد المطوع الذي قدم لي الدعم اللازم لهذا الترشح. فسألته في عجالة: «لماذا لم تترشح للمجلس النيابي؟ قال لي: يكفي الإنسان شرفا أنه يعمل في خدمة أبناء منطقته وأبناء وطنه من أي موقع يراه يعطي ثمرا». طلبت من الصديق أن يرتب لي لقاء معه ليضعني في صلب مشهده الجديد. تحدد الموعد وكنت في الموعد حاضرا، وكان لي معه حوار مطول، وتبادلنا أحاديث متشعبة، ووقفت على آرائه في كثير من القضايا الوطنية. غير أن الرأي الأهم الذي وددت أن أسلط الضوء عليه معك قارئي الكريم مستخلص من سؤالي له عن موقفه من الجمعيات السياسية التي قررت مقاطعة الانتخابات النيابية والبلدية هنا في البحرين، خصوصا وأنه واحد ممن أشهروا اختلافهم مع موقف جمعية المنبر التقدمي التي انحازت إلى الضلال «الوفاقي المذهبي». وقد جاء رده مثلما توقعته؛ لأنني كنت دائما أراه حكيما في مواقفه السياسية غير دوغمائي المنحى والاتجاه، ثاقب النظرة في تعامله مع الحقائق والظفر بما تختزنه الوقائع من دلالات. فتعال عزيزي القارئ نتعرف على بعض مما قال في هذا الجانب. يقول الدكتور «إن أقل ما يقال عن هذا الموقف أنه غباء سياسي ليس إلاّ». موضحا بأنه لو كان هذا الموقف مقتصرا على الجمعيات المنادية بالدولة الدينية في الدوار، والتي تمثلها جمعية «الوفاق» فحسب لهان الأمر، إذ أن هذه الجمعيات لا تؤمن بشيء اسمه «الديمقراطية» أصلاً، فهي - أي الديمقراطية – في نظرها بدعة غربية يجب نبذها ومحاربتها؛ ودعك من الشعارات التي ترفعها هذه الجمعيات المنادية بالديمقراطية، فهي شعارات للاستهلاك السياسي فقط، ومجاراة الدول الغربية المنادية بالديمقراطية الحقة، وذلك كي تجني منها الدعم والتأييد والمساندة، فكلمة الديمقراطية في عرف جمعية (الوفاق) والجمعيات الدينية كلمة حقٍّ أُريد بها باطل»، بمعنى أن هذه الجمعيات ما إن يقع زمام الأمور في يدها، أي ما إن تستلم السلطة، حتى تبدأ بممارسة الدكتاتورية ونبذ الآخر، وتحريم ما تراه هي حرامًا، ومنع المرأة من التعليم ومن العمل ومشاركتها في العمل السياسي». قاطعته سائلا إياه، وماذا عن الجمعيات السياسية اليسارية التي شاركت في الدوار وهي ما زالت تأتمر بأمر جمعية «الوفاق»، وأعني هنا تحديدا جمعية المنبر التقدمي التي كنت أنت يوما ما فاعلا فيها؟ فأجابني بالآتي: فعلا هي مصيبة كبرى أن تأتمر جمعيات ذات أصول ماركسية وتقدمية، وتنادي في برامجها السياسية بالعلمانية والدولة المدنية والديمقراطية بأوامر جمعية دينية ثيوقراطية المنابع والتوجهات، فتحالف هذه الجمعيات ووقوفها جنبًا إلى جنب مع جمعيات الدولة الدينية أمر يدعو للسخرية والضحك؟ إنه فعلاً بليّة، وشرّ البلية ما يُضحك!» إذن قل لي ما هو موقفك اليوم تجاه توجهات هذه الجمعية والجمعيات اليسارية الأخرى ومواقفها، خصوصا وأنها اختارت أن تكون جمعية «الوفاق» مرجعيتها السياسية و»النضالية»؟ قال: أجد اليوم أن موقفي منسجم مع مواقفي السابقة التي اتخذتها بعد أحداث الدوار، عندما سارعت، بعد نقاشات مستفيضة، إلى تجميد عضويتي لأنه لا يمكنني أن أتاجر بالديمقراطية وحقوق الإنسان على حساب وحدة الوطن والشعب. كان حديثي مع صديق الدراسة القديم الصادق في نهجه المحب لوطنه ممتعا ومشوقا ما حسبت فيه الساعات، غلبت فيه رؤيتنا لبحرين المواطنة والديمقراطية والحداثة ذكرياتنا وحنيننا المشترك إلى أيام الدراسة الجامعية، وافترقنا على أمل نصر مؤزر لمشروع البحرين الحديثة التي ستدحر حتما طيور الظلام وتردهم إلى كهوفهم خائبين. أدركت في حديثي مع صديقي القديم مرشح الدائرة الأولى لانتخابات المجلس البلدي أن البحرين ولادة معطاء وأنها تزخر بالوطنيين الصادقين المؤمنين بأنهم قادرون على خدمة هذا الوطن الغالي العزيز من أي موقع كانوا فيه سواء أكانوا منتخبين أو مواطنين عاديين. وما هو إلا واحد من أبناء البحرين العظيمة بشعبها وبحكامها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا