النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

واحة النفس

مراهقات في وجه الإعصار الحضاري

رابط مختصر
العدد 9127 الاحد 6 أبريل 2014 الموافق 6 جمادى الآخرة 1435

تحدثت الأم بنبرتها الحزينة، وبصوتها المبحوح لتقول: أبنتي مراهقة ومشاكسة فكيف أتعامل معها؟؟ فقد تحولت تلك الطفلة الصغيرة المؤدبة والهادئة بوجهها الملائكي فجأة، إلى فتاة يافعة جميلة تخيفيني أسرارها. وقد تبدلت أخلاقها التي كان يحسدني عليها أهلي ومن يعرفني ليقولوا لي: “ما شاء الله، كيف ربيتي أبنتك على كل هذه القيم والأخلاق، صج بنتك مو مثل بنات هل الوقت”. أصبحت تلك الكلمات الآن تنزل على جسدي كالسيف المسنون، صارت تزيديني قهراً، حتى أكاد أن أصرخ في وجههم لأقول “المخفي عليكم أعظم”، ولكنني لا أستطيع أن أبوح لهم بما نعلمه عنها من أفعال، ولا بما يجول في نفسي من ألم وبما في صدري من غصة. أقول أحياناً، يا ليتهم يروا كيف نتألم أنا ووالدها على تلك الأيام، وكيف نبكي حسرة على تلك الأخلاق التي رويناها بكل ما تعلمناه من مثاليات لنبني بها شخصيتها الجديدة. تضيف الأم: ولكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. تقول تلك السيدة الوقور، لقد بدأ عالم أبنتي الجميل يتساقط شيئاً فشيئاً، كلما اكتشفنا سراً جديد ومصيبة جديدة، أهتز كياننا ودخلنا في دوامة جديدة من الصدمات والأزمات. فقد بدأت الحكاية عندما طلبت مني أبنتي المراهقة ذات الخامسة عشر ربيعاً أن تقتني تلفون نقال أسوة بصديقاتها، لقد قرصني قلبي في تلك اللحظة وتعللت بأنني لا أملك المبلغ لشراء النقال. حقيقة لم أكن صريحة معها، فقد كان باستطاعتي شراءه ولكنني كنت خائفة عليها من استقلاله النقال استقلال سيئ. قلت لها: خليه لبعدين. ويا ليتني كنت صريحة معها وكنت أكثر حزماً. ولكنها أقنعتني بأنها سوف توفر المبلغ من مصروفها المتواضع، فتنفست الصعداء، وضننت أنها لن تستطيع توفير المبلغ. لأفجاء بعد فترة قصيرة جداً بأنها قد حصلت على مبلغ النقال، تلعثمت وأنصدمت ولكنني حاولت أن أجعل الأمر يبدوا عادياً، وحاولت أيضاً أن أتظاهر بأنني على ثقة كبيرة في تربيتي لها. ورضخت للأمر الواقع بعد أن أرغمتني على شراء النقال، وبعد أن وعدتي أن تستعمله أفضل استعمال، ولكن هيهات، أن يوضع البنزين قرب النار. لم أجد مخرج حينها، وأغرقتها بسيل من النصائح والمواعظ من خطورة استعمال هذا الجهاز فيما يغضب الله وخصوصاً ما يتبادله المراهقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. وكانت تجيب: “أعرف، أعرف أمي اطمئني”. تطور الموضوع بعد النقال، لأفاجئ بها تطلب مفتاح غرفتها التي كانت تنام بها دون قفل طيلة حياتها، ولما سألتها عن السبب قالت: لقد كبرت وأريد بعض الخصوصية. طاوعتها بعد أن أقنعت بحقها في هذه الخصوصية. ولكن ماذا بعد ذلك، اكتشفت والدها أنها تتحدث مع بعض الناس في التلفون، تصوري، في منتصف الليل. ولما واجهها قالت: أنا أحب أن أتحدث مع نفسي بصوت عالي، بالطبع لم تنطلي علينا القصة، وسحبنا مفتاح غرفتها. ليدخل عليها والدها في المرة التالية وهي تتحدث في التلفون النقال، ومع من؟؟؟ مع شباب!!! قلت: يا له المصيبة، يا ساتر، أستر علينا. ماذا سيقول الناس لو عرفوا، فسحبنا النقال. وعادة التحدث من جديد، ومسكناها متلبسة وفي يدها نقال أخر. لا أخفي عليك الأمر، فقد أنقلب حال هذه الأسرة السعيدة الهانئة ليتحول إلى ساحة محكمة، هي في موقف المتهم والمحامي وأنا ووالدها في موقف القاضي والسجان والمدعي العام والجاسوس وكل من يخطر بالك. توالت علينا المصيبة تلو الأخرى، فما أن نصادر نقال، حتى تأتي بنقال جديد وتبرره بحكاية جديدة لا يصدقها الوليد. كنت أتساءل بيني وبين نفسي، من أين لها بكل هذه البطاقات التلفونية، ومن الذي يسهل عليها الحصول على خدمة الاتصال وهي قاصر. لقد حكت لي الأم أشياء كثيرة وأفعال خطيرة اكتشفتها الأسرة ولكنني لن أتطرق إليها لخصوصيتها. ومازالت الفتاة “بنت الأصول” تختلق القصة بعد القصة، ومازالت الأم تبتلع الغصة بعد الغصة. لقد أنهت الأم مكالمتها بسؤالي: كيف أتعامل مع ابنتي التي أحبها وأخشى عليها من السقوط ومن الانحراف، وهي مازالت في عمر الورود، لم تعي بعد خطورة ما تفعله، ومن يحرضها على مثل تلك الأفعال، ومن الذي سيعيد أبنتي إلى أحضاني، ويعيد ثقتي بها، وثقتها بنا. قالتها بصوتها المجهش الذي قد استشعرت من خلاله، معاناتها ولمست جرحها الذي يدمي، أحسست فيه مدى خيبة أملها فيمن ربت وأحسنت التربية، لتثمر تلك الجهود، شقاء ومرارة لتعيش تلك الأم كل يوم حياة يعتصره الألم والحزن. لن أوجه رسالتي اليوم إلى الآباء، بل إلى الأبناء وبالأخص، لبناتنا الشابات أللاتي قد مُنحن الحب الحقيقي والاهتمام الذي تفتقده الكثيرات من هن في مثل سنهن، في دول تفتقر الفضيلة وتقلل من أهمية الطهارة، وتروج للفجور والانحراف، باسم التحرر والحرية. فكيف لا تتفاعل هذه الشريحة الرقيقة مع هذا السيل من العطاء العاطفي، ومع هذا الاهتمام الصادق، للترك الآباء في حسرة وألم وعذاب. هل تستحق المغامرة العاطفية، وتجربة الحب، والتعرف إلى الشباب كل هذا العناء من الآباء؟؟؟؟!!!! فتياتنا المستورات، لا تستعجلن الانخراط في علاقات غرامية، قد تؤدي بكن إلى الهاوية لتندمن عليها طيلة حياتكم القادمة، ولا تفسروا مراقبة الآباء لكم، ككراهية وحقد، بل حاولوا أن تفهموا أنها خوف وقلق عليكن. أحسنوا النية في الوالدين، فلن يكن لكن غيرهم ملجأ وغيرهم ملاذ. لا تتصورا أن الفتاة التي لا تحب، ولا تعرف الحب في المراهقة، هي فتاة غبية ومتخلفة، بل العكس صحيح. حالوا أيتها العزيزات أن تستفدن من تجارب من سبقكن، وسقطن في الهاوية، وكن يعتقدن اعتقاداً راسخاً بأنهن لن يقعن في فخ الشباب، كونهن يتمتعن بالوعي والذكاء. ولكن لا تنسين، أنه لا يوقع في بعض الأحيان إلا المتحاذق، في بعض الأحيان. حاولوا يا عفيفات الوثوق في أمهاتكن وحاولوا أرضاهن، فلا يعلم الواحد منا متى يفقد أحبابه وخصوصاً لو كان هو طرفاً في فقدانهم بتصرفاته الطائشة أحياناً والغير مقصودة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا