النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

واحة النفس

القنـــاع

رابط مختصر
العدد 8988 الاثنين 18 نوفمبر 2013 الموافق 14 محرم 1435

هل تساءلت عزيزي القارئ لماذا تتغير نفسيتك وتصرفاتك عندما تجتمع مع أناس بذاتهم فيما هي مختلفة مع غيرهم، كأن تكون لك شخصية معينة في العمل بين الزملاء وأن تكون لك شخصية أخرى بين أصدقائك الحميمين وأن تكون لك شخصية ثالثة عندما تكون في اجتماع مع أشخاص مهمين. فكثيرون هم من يكونوا في الأعمال أسودا وفي البيت فأرانا والعكس صحيح وكثيرون أيضا من هم في الشارع مرحون متفائلون وفي المنزل نكديون ومتذمرون لا ينبسون بكلمة تذكر والعكس صحيح أيضا على الرغم من ندرته. بالطبع هذه الحالة تنطبق على الجنسين ولكنها واضحة المعالم بصورة أكبر لدى الجنس الخشن، فالرجل أنيق ولطيف ومحب ومعبر مع أصدقائه وزملائه وزميلاته في العمل فيما هو متأفف متنرفز يتصرف كقنبلة موقوتة تنبئك بالانفجار بمجرد الاقتراب منها. يفتقد هذا الخشن طولت البال مع زوجته وأولاده وأقاربه. فقد حدثتني إحدى الصديقات قائلة «تصدقين كلما أصادف واحدة تشتغل مع زوجي تقول: يا بختج زوجك عسل وايد حليو أكيد مأنسكم في البيت» فتمتدح زوجي وتصفه بخفة الدم وبالباقة والهدوء والمرح، مما يطير عقلي. فتلك الصديقة لا تعرف من زوجها إلا العصبية والأنانية والتذمر والتعبير عن الملل في كل موقف وفي جميع الأحوال. فلماذا كل هذا التناقض في سلوكياتنا من حالة اجتماعية إلى أخرى؟ ولماذا تتغير شخصية كل منا بحسب من نعاشره ونتعامل معه؟ فالزوجة مثلاً أنيقة وجميلة ومتفائلة مع صديقاتها تحب النكت وتبادر بالحديث وتعرف اللباقة «الذرابة» معهم فيما هي لا تطيق طلبات الأولاد ولا تجلس إليهم عندما يحتاجونها فليس لديها وقت لتمازحهم لأنها دائماً في انشغال وحركة دائمة بسبب متطلبات البيت أو الوظيفة أو الاثنين معاً. كذلك الطفل الصغير فهو لا يختلف في هذه الظاهرة عن الكبار فهو لطيف ومؤدب ومتعاون خارج البيت، فيما هو اعتمادي ومزعج كما نسميه باللهجة العامية «نزقة» داخل البيت والعكس صحيح أيضاً. حتى اننا نلاحظ في اليوم المفتوح للمدارس يتفاجأ الكثير من اولياء الأمور بتقييم المربين لسلوكيات وشخصيات أبنائهم فهذا الوصف أو ذاك يختلف مائة وثمانين درجة عن تلك التصرفات التي يبديها الأولاد في البيت. فقد تتعجب الأم مثلاً من كون ابنتها مشاغبة في المدرسة فيما هي منطوية لا يكاد يسمع لها صوت في البيت والعكس صحيح. لماذا إذاً كل تلك الشخصيات المتناقضة في الأماكن الاجتماعية المختلفة؟! سؤال محيراً درسه المحللون النفسيون حين لاحظوا هذا التنوع في شخصية الفرد الواحد وتسألوا عن الوجه الحقيقي لهذا الفرد فهل هو الوجه الخارجي الذي يواجه به مجتمعه أم هو الوجه الداخلي الذي يعيشه في محيطه العائلي؟ دعوني أذهب بكم إلى سيكولوجية «القناع» والتي استعارها العالم النفسي يونج من المصطلح اليوناني القديم «برسونا» ومعناه «القناع» ليصف الوجه الذي يلبسه الممثلون على المسرح قديماً والذي يمثل الشخصية التي يلعبونها في المسرحية. فإن كانت الشخصية شريرة لبس الممثل القناع المرسوم بالشر والذي يُرسم بدقة ليعكس انعقاد الحاجبين وشراسة العينيين وعلامات الخبث والقدر وان كانت الشخصية التي يلعبها الممثل تتميز بالخير والحب فيرسم القناع بتلك الملامح الرقيقة المعبرة عن الحب والحنان وكل معاني الإنسانية والملائكية. ربما لا يختلف المسرح والتمثيل المعاصر عن ذاك العتيق حيث تنتقي الوجوه اليوم بحسب مدلولاتها، فيختار الشخص الضخم معكوف الشوارب وعاقد الحاجبين لأدوار الشر فيما يختار الشخصية ذو البنية المعتدلة والقامة الممشوقة لغيرها من الأدوار. ولا يختلف الواقع اليومي الذي نعيشه كثيراً عن عالم السينما والمسرح فنحن نحكم على أشكال الناس في العادة قبل أن نعرفهم فنقرر مسبقا ان كانوا خيرين أو كانوا سيئين أو كانوا حسودين أو ودودين وغيرها من سمات نصبغها عليهم من خلال الحكم على اشكالهم وهيأتهم فيما قد تكشف لنا الأيام لاحقاً خطأ تشخيصنا وحكمنا عليهم. تؤكد النظريات النفسية وجود التناقض في شخصية الفرد منا موضحة أننا قد نجد ضرورة أحياناً أن نغلف ذواتنا الحقيقة بغلاف خادع ونلبسها قناعاً لتبدو للعالم في مظهر يتفق مع ما تريده الجماعة التي نصاحبها. فان كانت الجماعة تهوى المرح تغيرنا لنشاركهم تلك السمة وان كانت الجماعة تهوى الحزن والدراما لاسترجعنا لها كل أحزان العالم فقط من أجل الشعور بالانتماء والمشاركة والتقبل الاجتماعي. وكثيراً ما يكتشف الفرد منا من خلال عملية تبديل الأقنعة أنه يجيد العديد من السمات الخاصة عند لبسه القناع فيكتشف مثلاً أنه يملك المقدرة على إضحاك الآخرين أو أن لديه مقدرة على سرد القصص أو على جذب الانتباه بحديثه. فيما يكتشف آخر مهارته في توجيه الآخرين وقيادتهم وإدارة دفة حياتهم فيتمسك بتلك السمة كونها تحقق له إشباعا خاصا لا يجده في غيرها من الجماعات الإنسانية. كل هذا التنوع في الدور والاكتشاف للمواهب والقدرة على السيطرة أو الإقناع يفسر المرح وخفة الظل خارج البيت والنكد والانسحابية داخله. وقد تعمل الجماعة التي ُيلبس القناع من أجلها على تحفيز سمة ما لدى هذا الفرد أو انحسارها. كأن يقال للشاب مثلاً «يا الله قل لنا نكتتك التي قلتها بالأمس ليضحك الجميع دون توقف مما يشعر صاحب هذا القناع بالتميز في الإضحاك». حتى ان العالم النفسي يونج قد أطلق على هذا القناع «بالقناع الاجتماعي» كونه يستعمل في مواقع اجتماعية مختلفة ومع جماعات إنسانية عديدة. والغريب في الأمر أن هذا الوجه الذي يبدو به الإنسان أمام المجتمع قد يكون غريبا تماماً عن وجدانه ومقاصده الحقيقية ولكنه مضطر للبسه لكي يتعايش مع محيطه وعالمه الذي وجد فيه بإرادته أو دونها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا