النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

الحرية المسلوبة

رابط مختصر
العدد 8559 السبت 15 سبتمبر 2012 الموافق 28 شوال 1433

لابد وأن نقر بداية أن الإنسان يولد بطبعه حرا، لكنه حين يصبح حبيس البيئة التي ينشأ فيها، وتغذيه بالأفكار والمعتقدات التي يدافع من أجلها، وحين تكون هذه الأفكار متطرفة ومبالغا فيها، فإنها تتحول إلى أغلال تقيد حرية الإنسان نفسه، وتدخله في صراع على محورين: الأول مع نفسه والثاني مع المحيطين به، حيث يطالبهم بحريته المسلوبة، غير أنه لو كان لديه فكر ناضج وإرادة قوية، لتمكن من مقاومة الغزو الفكري والنفسي، الذي تعرض له في البيئة التي نشأ فيها، لذلك فإن كثيرا مما يتعرض له الفرد في حياته، يكون من صنعه هو وليس غيره، فحين يتعرض لظروف قاسية فالمؤكد أنه من صنعها أو على الأقل ساهم فيها بشكل أو بآخر، وما جنته يداه وعقله عليه، وإن كان الإنسان دائما ما يلقي باللوم على الآخرين فيما آلت إليه أحواله، فمن ارتضت قناعته أن يكون عزيزا، سيبقى كذلك، ومن ارتضى أن يكون ذليلا فهذا من صنعه هو بالدرجة الأولى. ومع ذلك فإن هناك فئة من الناس قست عليهم الحياة، لكن ظلوا محافظين على ما لديهم من عزة نفس، فلا يستجدون العطف أو يتباكون من أجل مكاسب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لأن من يعز نفسه ويحترمها، لا يتركها سلعة رخيصة، تحركها أفكار وإرادات الآخرين، بحيث يصبح مسيرا في حياته بل ومجرد أداة لتحقيق مآرب معينة غالبا ما تكون بعيدة عنه وخارج نطاق اهتماماته، ما دفعني لطرح هذه المسألة، إصرار البعض على طرح شكواه عبر الشارع، بأن يحرق إطارا أو يغلق شارعا، وهناك من يبث شكواه من خلال تحريض غيره على العنف أو كتابة مقال يبالغ فيه بحيث يصبح كلامه بعيدا عن الواقع الفعلي، وهناك من يعمد إلى تسييس منبره الديني.. كل هؤلاء: لمن يشتكون؟ حين تحرق وتسد الشوارع وتحرض على العنف، لمن توجه رسالتك؟ باختصار، من حق الإنسان أن يشتكي من فقره وعوزه ومرضه، ومن حق ضائع مسلوب، لكن الشكوى ليس مكانها الشارع، فالنزول للشارع ما هو إلا أحد أشكال الحرية المسلوبة والتوجيه الفكري، وهو ما يعني أنك غير مستقل ولست صاحب رأي لأنك باختصار تنزل للشارع بتوجيه من غيرك وليس بقرار منك، فضلا عن أن هذه الأساليب لا تنقل رسائل، بل تلحق الضرر بصاحبها وكذلك المحيطين به وتهين من كرامتهم ومن ثم يكون الإنسان قد جنى على نفسه الذل والهوان، ولن يفيده الاستنجاد بالإعلام والمنظمات الدولية، لأن هناك أساليب أرقى وأكثر فعالية، ومن شأنها أن تحفظ كرامة الإنسان، وتجعله عزيزا كريما في وطنه، هناك أساليب عصرية حضارية تمكنك من نقل شكواك إلى من يهمه الأمر، والحصول على ردود إيجابية، وهذه القنوات هي ما يجب الاعتماد عليه والتواصل من خلاله. وإذا كان المثل الألماني يقول «كلما قللت الكلام ... كلما زاد الإصغاء إليك» فإننا نضيف إليه: كلما كان كلامك محددا ومركزا وكنت أكثر تحضرا وعصرية، وعبرت عن شكواك من دون عنف أو تخريب، سمعك الجميع وأنصت لك القريب والبعيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا