النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

التعددية ومخاوف «الإسلاميين» من الديمقراطية

رابط مختصر
العدد 8109 الخميس 23 يونيو 2011 الموافق 19 رجب 1432 هـ

الإسلام، كما يراه د. محمد سليم العوا، أيد التعددية التي هي أساس الديمقراطية منذ اليوم الأول للدعوة. «فالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو الذي نزل عليه الكتاب الناسخ لما قبله المهيمن عليه - كان يجب أن يلغي كل ما سبق، وأن يخط بقلم أحمر، على جميع الأعراف والعادات والتقاليد والنظم، التي وُجدت قبل تنزُّلِ الإسلام عليه، قبل بعثته، قبل أن يوحى إليه في غار حراء. هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصنع ذلك». المنهج الذي اتبعه صاحب الدعوة، يضيف د. العوا، كان مختلفاً. فقد «أبقى على كل ما كان صالحاً من عادات الناس وأعرافهم، وألغى وأبطل ما كان فاسداً. فرّق بين ما يُصلح حياة الناس ويسعدون به ويستطيعون المضي فيه من أعرافهم فأبقاه، وبين ما لا يصلحها، ويفسدها ويعطلها، ويعوق مسيرتها إلى الأمام، فألغاه، بل انه اعتز شخصياً بموقف شهده وهو صغير في الجاهلية، ومدح هذا الموقف مدحاً عظيماً، وهو «حلف الفضول»، بل ان وثيقة المدينة – أول دستور مكتوب في التاريخ – التي املاها الرسول (ص) فور انشاء الدولة الأولى في المدينة المنورة، ابقت للناس بعض أعرافهم – الاسلام صاحب فكرة جامعة تنشد الحكمة أنى كان مصدرها». ولكن رؤية د. العوا هذه قد تثير اعتراض «الصف الإسلامي» أكثر مما ترضيه، فالمعاناة في مباحث الإسلام والتعددية في تحليل الباحث ليس مصدرها غير المسلمين أو الغربيين، ولا موقف الديمقراطيين المستشرقين، بل أكثر ما نعانيه «هو موقف المسلمين أنفسهم»! فللإسلاميين في هذه المسألة، يقول، رأيان «وهناك رأي ثالث أدعو إليه أنا». وهذان الرأيان يعبر عنهما صوتان، صوت يقول: «إن الإسلام لا يعرف التعددية لأن معنى التعددية أن الناس يمكن أن يكونوا على الإسلام أو على ضده». وصوت آخر يقول: «يسمح بالتعددية في مرحلة الدعوة، أي ما دمنا نعمل في الشارع السياسي مع غيرنا، فعلينا أن نقبل بالتعددية السياسية لأن غيرنا موجود، شئنا أم أبينا». أما إذا بلغنا مرحلة التمكين أو مرحلة الدولة فلا تعددية، وعلى كل واحد من غير المسلمين أن يلزم بيته»! وكلام د. العوا في هذه الجزئية بحاجة إلى بعض التوضيح قبل أن ننتقل إلى عرض رأيه الخاص في المسألة. فهو هنا يشير الى موقف الإسلاميين أو بعض جماعاتهم إزاء غير المسلمين، كالمسيحيين مثلاً. ولكن مشكلة الإسلاميين الكبرى هي كذلك موقفهم من المسلمين غير الحزبيين، أو الذين ليسوا في جماعتهم «الإسلامية»، أو دعاة وأنصار التيارات الليبرالية والقومية والعلمانية، أو المعادين عموماً لأي نظام ديني حزبي شمولي، كالذي نراه في ايران، او رأيناه في أفغانستان والسودان، أو الذي نرى تفاصيله في كتب الإخوان المسلمين أو الجماعات السلفية أو حزب التحرير أو التنظيمات الإسلامية الأخرى. فالنظام «الإسلامي» الذي يطالب هؤلاء بتطبيقه إذا استلموا الحكم، لا ضمانة فيه من مخاطر التسلط والدكتاتورية وقمع المعارضة، ولا اعتراف بحقوق الإنسان الدولية. ونعود إلى كلام الاستاذ الفاضل د. العوا لنقرأ نقده للرأيين. «هذان الرأيان كلاهما خطأ، إذ بخصوص الرأي الأول، فإن التعددية جزء من الفطرة التي خلق الله الناس عليها. أما دعاة الرأي الثاني، الذين يقولون بالتفريق بين مرحلة الدعوة ومرحلة الدولة أو التمكين، فهذا نفاق وغش وخداع للناس، لأننا نتقدم إلى الناس في مرحلة الدعوة أو مرحلة التنافس بخطاب يقبل وجودهم ويستعد لاحتمالهم». ويتساءل د. العوا مستنكراً هذا الغش السياسي الفاضح، قائلاً:» كيف نمنع الذين أيدونا وأعطونا أصواتهم، وأوصلونا إلى سدة الحكم، ونخيرهم بين أن يكونوا معنا، وإلا حرموا من التجمع ومن الكتابة والتعبير عن الرأي؟! هذه خيانة! والإسلام لا يقرّ الخيانة أبداً». ويوجه د. العوا كلامه الى الأحزاب الإسلامية قائلاً: «فلينتبه إخواننا العاملون في الحركات الإسلامية والاحزاب الاسلامية والتجمعات الاسلامية إلى خطورة هذا التصور، لأنه مضاد ومناقض لأصول الإسلام، التي تأمر بالوفاء بالعهود وبأداء الحقوق الى أصحابها وبالالتزام بالكلمة مهما كان ثمن الالتزام بها غالياً». وعن السند الديني للتعددية في رؤيته، يقول د. العوا: «الفطرة الربانية في كل المخلوقات قامت على تعددها، وما فيه وحدانية هو الرب تبارك وتعالى. الرب وحده هو الواحد، وكل ما سواه سبحانه وتعالى متعدد». ومن الأمور التي تُبنى على التعددية وتمهد الديمقراطية لها، تداول السلطة، فكيف يفهم د. العوا هذا الارتباط في المنظور الإسلامي؟ ينطلق د. العوا من مبدأ أن «السياسة هي إدارة لشؤون الأمة والعمل في الحياة العامة، وليست يقيناً ينفي تعدد الآراء وتنوع الاجتهادات.. الانتماء السياسي للإسلام إذن، ليس انتماء إلى نظام ولا الى حزب ولا الى جماعة، وإنما هو انتماء الى أمة من خصائصها أنها تبيح الاجتهاد وتعطي المخطئ فيه أجراً كما تعطي المصيب فيه أجرين». أما تداول السلطة، كنتيجة للتفاعل الديمقراطي فيراها بديهية: «إذا قبلنا التعددية وتبينا أنها من الفطرة غير القابلة للتغيير والتبديل، فإن تداول السلطة يعني توالي الناس في الحكم. الأحزاب مباحة من كل نوع، والفيصل بين هذه الأحزاب هو صندوق الانتخابات. في بلادنا نحن لا نطالب بالديمقراطية لغيرنا، إننا نطالب بالديمقراطية لأنفسنا»! ولكن مشكلة الديمقراطية في بلداننا، يستطرد، «إنها تعاني من آفتين: آفة تزوير أصوات الناخبين والعبث بها، وآفة اقتصار الديمقراطية على قطاع معين تحدده السلطات الحاكمة» (كانت محاضرته قبل الثورات العربية!). ولا تقف مشكلة الديمقراطية عند تحفظ الإسلاميين على التعددية والحزبية، أو تلاعب السلطة بها. بل هناك «أغلبية صامتة» لا تكترث بالعملية الديمقراطية، حيث إن الذين يصوتون يمثلون 15% – 20% من الشعب! ويلوم د. العوا هذه الفئة العريضة التي لا تشارك في التصويت وإبداء الرأي، وربما تتذمر فيما بعد مما آل إليه حال البلاد. وينظر د. العوا في نقطة أخرى من مخاوف الإسلاميين إزاء الديمقراطية، «وهو قولهم بأن الأغلبية في البرلمان غير مضمونة، فقد نأتي بأغلبية في البرلمان فتقرر أمراً مخالفاً للدين». وللباحث على هذا التخوف ردان، «الأول أن هذا عيب الشعب الذي اختار أناساً لا تعرف كيف تفكر، وهذا أيضاً عيب المربين والدعاة الذين لم يحسنوا شرح الإسلام للأمة. الرد الثاني إن تغيير ما يقرره البرلمان ممكن.. لأن البرلمان لا يقرر نصاً دينياً أو نصاً معصوماً أبدياً.. أن يكون لدينا برلمان يخطئ ويصوِّب خطأه خير ألف مرة من أن نحكم مئات السنين حكماً طاغياً مستبداً. لا توجد قيمة حقيقية - من الزاوية الإسلامية - لكل الانتقادات الموجهة للديمقراطية.. إن العصر الحالي لا يعرف وسيلة في تداول السلطة ومراقبة الحكام وضمان حق الناس في التعبير عن آرائهم وضمان سلامة الإدارة أنجع من الديمقراطية» (انظر قيمة هذا الموقف بعد ثورة 25 يناير). ولكن موقف د. العوا المؤيد للديمقراطية سياسياً فيه تحفظ ديني يشرحه في نهاية محاضرته هذه بالأردن (عام 1998)، مؤكداً بأن الديمقراطية كوسيلة تتفق تمام الاتفاق مع قواعد الإسلام ومبادئه. «أما من حيث هي عقيدة وطريقة للتفكير فنحن لا نحتاج إليها، نحن لدينا عقيدتنا وطرائقنا في التفكير» (انظر: العرب وتحديات القرن الحادي والعشرين، عمان – الأردن، 2000، ص 501 – 513). غير أن تفريق د. العوا بين الديمقراطية كوسيلة برلمانية من جانب، وكمنهج حياة وقاعدة للثقافة المجتمعية بوجه عام من جانب آخر، يعيد د. العوا الى مربع التخوف الذي يحاول أن يخرج منه وينقذ السياسة والثقافة العربية والإسلامية منه. ومن غير الواضح لنا كيف يمكن لمجتمع لا تحكم مفاصله القيم الديمقراطية في المجال الثقافي والاجتماعي، أن يكون حريصاً على نجاحها وازدهارها في المجال السياسي! كيف يمكن لها أن تتعايش في بيئة معادية على امتداد أربع سنوات متعاقبة، ثم تنتعش شهراً أو شهرين في مواسم الانتخابات، ثم تنزوي بعيداً عن الحياة السياسية ومناهج التعليم وإرشادات الوالدين وخطب المساجد وأشرطة الوعاظ والدعاة والتعبئة الأحادية الجانب والتسلطية، ثم تظهر من جديد، كمذنب «هالي»، في انتخابات أخرى؟ والحقيقة أن عدداً لا يستهان به من مفكري التيارات الإسلامية والمثقفين المتعاطفين مع دور «المنقذ الأصولي»، يروجون لمثل هذه الديمقراطية الانتخابية البحتة، التي لا تهدف في الواقع الى بناء مجتمعات عربية ديمقراطية، بقدر ما تهدف الى إسقاط بعض الحكومات والأنظمة، أو إيصال بعض القوى الدينية الى سدة الحكم. وكثيراً ما تعاني ممارسة الديمقراطية الانتخابية هذه، في تصور الاخوان المسلمين وغيرهم من أوجه الانتقائية المختلفة والسذاجة السياسية، وكثيراً ما نرى من مؤلفات الاخوان وغيرهم تصريحات وآراء متضاربة مضطربة لدى دراستها، فمن أقوال الشيخ حسن البنا مثلاً ان مبادئ الحكم الدستوري «تنطبق انطباقاً كاملاً على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.. نظام الحكم الدستوري هو اقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام». ورغم ذلك اعترضوا على نصوص الدستور المصري وهاجموا بعنف وعلى الدوام «القوانين الوضعية»! وقد رفض البنا المعارضة السياسية المنظمة، أو ما يعبر عنه في الديمقراطية الغربية بحكومة الظل، وكان ولايزال آخرون – يستخدمون نفس المصطلحات الديمقراطية كالأمة والوطن والسيادة والسلطة وغيرها بمعانٍ دينية «إسلامية» لا علاقة بها بـ «نظم الحكم القائمة» في العالم كله! (عن فكر البنا السياسي انظر: الفكر السياسي للامام حسن البنا لإبراهيم البيومي غانم، وكتاب الاخوان المسلمون للدكتور زكريا سليمان بيومي). وكان رأي البنا ان الشورى معلمة لا ملزمة ثم غير رأيه. وصرح مرشد الاخوان في 6/6/1986 لجريدة الوطن الكويتية ان الاخوان يطالبون بالحرية للجميع والشعب وحده الذي يختار أي تيار يريده «واعترض قبل ذلك بيوم في 5/6/1986 في صحيفة «الاتحاد» بدولة الإمارات على «الطريق البرلماني» وسيلة لتحقيق الهدف قائلاً: «نحن نعتقد ان الشورى هي الطريق الأسلم إلى الحكم الارشد، والنظام البرلماني، إذا برئ من امراضه يعد وسيلة لتحقيق الهدف». وفي 13/3/1987 قال مرشد الاخوان حامد ابو النصر لصحيفة الانباء الكويتية «الاخوان يرحبون بوجود حزب شيوعي». وقد صرح الشيخ محمد الغزالي لنفس الصحيفة بيوم 2/7/1968 قائلاً: «النظام الديمقراطي يحتاج إلى شعوب ترتفع في مستواها إلى شعوب ارقى من العالم العربي حتى تستوعب الديمقراطية»، وأضاف: «أنا أحب الديمقراطية الغربية». وناقض نفسه بشكل صارخ بعد سنوات عندما صرح يوم 11/3/1996 لصحيفة الشرق الأوسط قائلاً: «ان الإسلام لا يحتاج إلى ديمقراطية على الطراز الغربي». فلماذا لم يشرح المرحوم للناس والقراء دوافع هذا التحول الجذري ونتائج دراسته للواقع العربي الإسلامي؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا