النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

ألم فراقك يزداد يا أمي

رابط مختصر
العدد 10568 الجمعة 16 مارس 2018 الموافق 28 جمادى الآخرة 1439

في العدد تسمى سنة، وفي القلب هي بضعة أيام.. نعم مرَّت سنة على وفاة أمي الغالية ولكنها في نظري أيام معدودة.. فمازلت أتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله المؤلمة وكأنه حدث منذ ساعات قليلة.

صدمة ما أصعبها من صدمة ألمت بحياتي.. أتذكر ذلك الخميس «التعيس» الذي قلب حياتي رأساً على عقب.. كنت في أيام وليالي مرض والدتي لا أغلق هاتفي، ولا تجفو لي عين تحسبًا لأي طارئ، ليلتها كنت أراقب محادثات «الواتس آب» في قروب العائلة فوقعت عيني على رسالة تقول إن حالة إمي سيئة.. حينها كانت عقارب الساعة تشير الى الواحدة والنصف فجراً.

وما هي إلا ثوانٍ وإذا بالرسائل تهطل على هاتفي كالمطر.. فالوضع غير مطمئن والإشارات تدل على أن جميع اخواني واخواتي توجهوا الى المستشفى، فالأمر ينذر بحدث جلل، أما أنا فقد منعتني رجلاي من المسير نحو القدر المحتوم وتقاذفتني الهواجس والآمال، فقد كنت أقول في نفسي ربما هي نوبة من نوبات أمي التي كانت تتعرض لها بشكل متقطع، مرت أكثر من ساعة وأنا لم أقوَ فيها على التنبؤ بما حدث او سيحدث، كنت بين أمل أن تكون والدتي بخير، وبين ألم الخوف من سماع خبر وفاتها.

تمكنت بعد كل ذلك من إجراء أصعب مكالمة في حياتي على هاتف أخي الصغير علني أسمع خبرًا يطمئن فؤادي، فبادرني معاتبًا «ألم تتوجهي للمستشفى بعد؟»، فقلت له: «ما الأخبار؟»، قال «أمي أعطتكِ عمرها»، في البداية لم أستطع استيعاب ما قاله أخي.. رميت بهاتفي بعيدًا ودخلت في نوبة بكاء.. وقلت «أي عمر هذا الذي أريده بدون أمي».. كلام أخي كان وقعه مدويًا على جوارحي.. كان أشبه بالصخرة التي سقطت على رأسي ومزقته بلا رحمة.

كان الطريق الى مجمع السلمانية الطبي يبدو طويلاً جداً رغم خلو الشوارع وقتها من السيارات، وما إن وطأت قدمي باب المستشفى عند الثالثة فجراً حتى رأيت أحد اخوتي بانتظار وصول المصعد فلم أملك الشجاعة الكافية لفتح حديث معه او حتى سؤاله عن صحة الخبر.

 لقد كان سكون المستشفى مخيفاً لا تتخلله إلا عاصفة الحزن والكآبة وأصوات المرضى وآهاتهم.. بالقرب من باب المصعد في الطابق الرابع كان هناك اثنان من اخواني بانتظاري، حيث أخذاني الى غرفة أمي وقالا «تعالي لرؤية أمك ولكن بهدوء فهناك مرضى نائمون».. رأيت أمي (في نومتها الطويلة) على سريرها الأبيض، فسألت اخواني «هل أنتما متأكدان أن أمي ماتت.. لا لم تمت هي نائمة».. هذه كانت أول جملة نطقتها عند آخر زيارة لسريرها الطاهر.

ذلك الحدث أجبرني على ترك أبنائي وحيدين.. حتى أنني لم أجرؤ على العودة صباحاً لإخبارهم بما حدث.. كيف سأخبرهم بذلك وأمي هي العش الذي كان يحتضن براءتهم، والقلب الذي كان يستمع لأحاديثهم الطفولية بشغف ورحابة صدر.

كان يوماً غير عادي.. يوماً بدأت فيه مواقع التواصل الاجتماعي تنعى أمي.. حيث جاء الناس وتقاطروا من كل مكان لتعزيتنا.. يومها لم أصدق أن أمي أصبحت خبرًا في الجرائد.. فكلمة «متوفاة» هزت مشاعري ومشاعر جميع أبنائها ومحبيها.

ورغم التفاف الجميع حولنا في تلك الساعات إلا أن وقع الخبر كان أكبر من أي تعزية او كلمات مواساة يمكن أن تخفف من مصيبتنا.. حتى أنني سمعت حديثاً يقول في مجالس العزاء «ستنشغلون بحياتكم وبأولادكم وأعمالكم وسيخفف ذلك من ألم فقدانكم لأمكم».. ولكن هيهات فالقدر يؤكد أن مكانة الأم لا يعوضها زوج او ابن او أخت او أي قريب لأن الأم بذاتها مدرسة.. فالأم وطن متى ما جمعت الأحباب وغربة متى ما فقدناها.

 مرت سنة ومازلت أشتاق لأسلوب وضحكات أمي وحركاتها.. كلها أمور تثير وجداني.. تلاحقني الصور والذكريات الجميلة التي قضيتها معها.. نعم بتُ أشتاق لغرفتها التي أصبح الحزن يسكنها.. تلك الغرفة التي جمعت المعارف والأحباب وخلفت وراءها ذكريات سعيدة وكذلك جروحاً كبيرة. لقد كانت أمي هي الأجندة التي تنظم حياتنا وترتب أمورنا.. كانت تفرح لاجتماعنا على غداء يوم الجمعة، حيث تبدأ قبل أيام بالإعداد لهذا التجمع، ولم تلغِ هذه العادة رغم كل الظروف التي مرت بها، كان يوم الجمعة بالنسبة لها يوماً عائلياً بحتاً لا تقبل فيه أي عذر لتخلف أحد الأبناء عن الاجتماع وتركز فيه على أدق التفاصيل حتى لون الشاي وطعمه.. بعد وفاة أمي فقد يوم الجمعة بريقه.. فالكل صار يستحضر وجودها وردات فعلها اذا ما تأخر الغداء او اختلفت بعض الأمور عما رسمت وخططت لها.. واليوم في ذكرى تأبينها وتخليداً لذكراها لا يسعني إلا أن أقول رحمة الله عليك يا والدتي الحنونة وأسكنك فسيح جناته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا