النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

مقالات

أن تمشي.. فليس ذلك بالأمر السهل بادئًا!

رابط مختصر
العدد 10331 السبت 22 يوليو 2017 الموافق 28 شوال 1438

أدمغتنا تحتاج لمران أولي، يؤهلها فيما بعد لتعمل بشكل (مؤتمت)، حتى لو رفضنا هذا المفهوم معتقدين بأن الأمور تجري وفق مشيئتنا.

 

عندما ننظر لشيء ما يبدو لنا بسيطًا، نتمتم: «من السهل عمل ذلك!»، إلا أن الخوض في تجربة تنفيذه، تبين لنا مقدار صعوبة الكثير من الأشياء التي اعتقدنا في البدء بأنها بسيطة، غير أن الاستمرار في هذا العمل، يجعل من الصعب بسيطًا بالفعل، فلماذا يحدث ذلك؟ في البدء، نحن نحكم من منظار الرائي -الذي يرى العمل ولم يجرب ممارسته-، كأن نشاهد لوحة تجريدية، فنعلق: «الأمر بسيط.. مجموعة شخبطات، وتصبح لوحة!»، لكن الأمر سيبدو مستعصيًا، لو أن أحدهم أوكل إلينا تنفيذ هذه اللوحة، في الوقت الذي لم نمارس فيه أي نشاط فني، بغض النظر عن قيمته الفنية.

 


نعلم جيدًا بأن الممارسة، هي من تمنح الممارس المران، فيصبح الصعب سهلاً، إلا أن خلف هذه الممارسة، آلية معقدة تقوم بها أدمغتنا، تلك التي تتخذ العديد من الأحكام التقديرية الأولية، كأن تحكم بسهولة القيام بشيء ما، فلو أن شخصًا وضع قيد التجربة، فإنه سيكون بين خيارين: أما أن يستمر في هذه التجربة أو يتوقف عنها، فإن استمر، بذل جهودًا إضافية ليبلغ مرحلة تنسيق الخلايا العصبية، بحيث يحيل الأمر إلى جزئية اللاوعي، والذي بدوره يتسلم زمام الأمور فيما بعد (بعد أن يتسنى لنا إطلاق وصف متمرس على هذا الشخص).

 

أما إن قرر الشخص اختيار الخيار الثاني، وتوقف عن المتابعة، فإنه يفعل ذلك لاستشعاره مدى الجهد الذي سيحتاجه لبلوغ حالة التمرس، فإن لم يكن هناك دافع أو إلحاح، يجنح دماغ هذا الشخص إلى القرار الأيسر، وهو التوقف عن المتابعة. حينها يتسنى لنا أن نقر بأن ما اعتقدناه سهلاً، ليس كذلك البتة. أما في حال الاستمرار، فإناّ نقر بأن الأمر بالفعل ليس بالسهولة التي كنا نتوقعها، لكنه سيصير كذلك ما دمنا نتابع جهودنا، فكل «نشاط يُداوم عليه -بما في ذلك النشاطات الجسدية، والنشاطات الحسية، والتعليم، والتفكير، والتخيل- تغير الدماغ بالإضافة إلى تغييره للعقل»، كما يقول نورمان دويدج.


لنأخذ تعلم المشي على سبيل المثال، فكم من الصعب علينا أن نتعلم هذه المهارة الأساسية؟ قد يبدو سؤالاً أبلهًا بالنسبة إلينا، إلا أنه ليس كذلك بالنسبة لطفل لم يتمم عامه الأول، فالمشي بالنسبة لهذا الطفل، قضية كبرى، أنه أمر يستدعي حضورًا تامًا للقدرة على التوازن، والوقوف باستقامة، وتحريك الأرجل بشكل متناسق، ووضع اعتبارات احتياطية للسلامة عند السقوط، وغير ذلك... فكل هذه الأمور الصعبة بالنسبة لهذا الطفل، ستتحول إلى بديهيات (أتمتة)، في دماغه، حتى ينسى بأنها كانت تشكل صعوبة في يوم ما.


عادة ما يصف من يعرف السباحة لمن لا يعرفها، الأمر بالشكل التالي: «الأمر سهل.. حرك يدك كذا، وقدميك بهذه الطريقة، وستتعلم السباحة!»، وقد يكون التوصيف صحيحًا، إلا أنه يشكل معضلة تستدعي عمل مختلف الأجهزة البدنية لمن لا يعرف السباحة، فكون هذا الأمر لم يخزن في لاوعيه (لم يؤتمت)، فإنه سينفذ كخطوة أولى، بحضور كامل الوعي، وهنا تكمن الصعوبة، إذ تعني هذه اللحظة لمتعلم السباحة استحضار العديد من الأسئلة حول كيفية الطفو وبالتالي التحرك على الماء، وما السبيل لمزامنة حركة اليدين والقدمين، وكيفية النجاة من الغرق.. إلخ. غير أن هذه المهارة يمكن أن (تؤتمت)، لتكون ضمن العديد من المهارات الأخرى التي تنظم الحياة بالشكل الملائم «دون معالجة واعية»، أي تصبح المسألة «أوتوماتيكية» كما يقول عالم الأعصاب أنطوني دماسيو. وهي لا تصبح كذلك إلا بعد مراس، أنتهى منه الأول، أما الثاني فعليه أن يبدأ توًا في تعلمه.


لهذا ليس من السهل الحكم بسهولة الأشياء، فأدمغتنا تحتاج لمران أولي، يؤهلها فيما بعد لتعمل بشكل (مؤتمت)، حتى لو رفضنا هذا المفهوم، معتقدين بأن الأمور تسير وفق مشيئتنا.

ولنقرب ذلك، بالنظر إلى عملية القراءة، فنحن لم نستطع أن نقرأ إلا بعد تعلم الأبجدية، وتهجى الحروف، وهذا لم يحدث في ليلة وضحاها، بل استدعى منا سنوات في رياض الأطفال، وأخرى في المدرسة الابتدائية، حتى باتت العملية تتم دون وعي منا بتفاصيلها، ولم نعد بحاجة لتهجى الحروف، بل أضحى لدينا خزين من الكلمات المحفوظة في أدمغتنا، لنستحضرها في أجزاء قليلة من الثانية، حتى وإن كتبت الكلمة بحروف ناقصة، فإننا في كثير من الأحيان لا ننتبه لهذا الخطأ، ما دام رسم الكلمة لم يختلف كثيرًا. فالقراءة فعل استحضار من ذلك الخزين، لكن ما أن تبدو لنا كلمة جديدة، كهذه «جلبنسكوفال»، حتى نستعيد الحالة الأولى للقراءة، ونبدأ في تهجى حروفها.


إن من السهل علينا أن نحكم بسهولة شيء ما، من منظار الرائي فقط، أما من منظار تشكيل عصبونات (حالة دماغية) تؤهلنا لحالة من التمرس، فذلك ما هو غير ميسر لنا جميعا، لكوننا نختلف من حيث الرغبات والأذواق والأزمجة، ولا يفوتنا أن نقول إن «الذوق -هو الآخر- يتشكل بالتعود» كما يقول أندرو روبنسون، وإن كان يتحدث في هذه الاقتباسة عن الذوق الموسيقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا