النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

جرائم المجتمع المترف

رابط مختصر
العدد 10043 الجمعة 7 أكتوبر 2016 الموافق6 محرم 1438

يصف مؤلف كتاب «سيكولوجية العنف - التاريخ الإجرامي للجنس البشري» كولن ويلسون جرائم العصر الحالي بأنها جرائم المجتمع المترف، حيث لم تعد دوافعها تحقيق الحاجات الفسيولوجية الأساسية مثل المأكل والمشرب والملبس والمسكن، بل باتت نوعا من السعي نحو تحقيق الذات، والمرتبطة بتعاظم «الأنا» البشرية في القرن الحالي خصوصا مع خفوت الوازع الديني الذي كان كابحا للكثير من الجرائم في السابق، وفي المقابل هناك عوامل مساعدة في تعاظم الجرائم تتمثل في النزعة الاستهلاكية التي تدغدغ الحواس، وتقوم بتضخيم الرغبات باختلاق حاجات وهمية غير حقيقية، حتى باتت شعارات «متع حواسك» جزء من حملات التسويق التي تقوم بها كبريات الشركات حول العالم.


وهذه الأفكار تقودنا إلى تبني الأطروحات التي قدمها المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري رحمه الله في سعيه نحو تعرية الحضارة المادية الاستهلاكية التي تقوم على تحويل الإنسان من كائن متعدد الأبعاد إلى كائن أحادي كل همه تحقيق متعته الحسية المتفاقمة. وبالتالي يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها: كلما زادت النزعة الاستهلاكية وتعاظمت معها الرغبة في إمتاع الحواس، زاد معدل الجرائم في عالمنا الحالي.


ويفسر كولن ويلسون العلاقة بين محاولة تحقيق الملذات وارتكاب الجرائم إلى أن إشباع كل الرغبات البشرية لا يحقق السعادة أو على الأقل لا يضمن تحقيقها، فالرغبات تبدو كأنها «قانون العوائد المتناقصة»، حيث أن يقل الإشباع المتحقق من المتعة الحسية مع الوق حتى لا يعود له أثر، والإنسان الذي بإمكانه أن يشبع كل رغباته في اللحظة التي يشعر فيها باشتعال تلك الرغبات، يحتمل أن ينهي حياته بالانتحار من شدة الملل. فعلى سبيل المثال لا يوجد إشباع جنسي كامل، بل ينتقل الإنسان في البحث عن الكمال الجنسي إلى مرحلة من العدمية واللانهائية، بحث غير منتهي في عتبة ما، وكلما تعمق الإنسان فيه زاد ملله.


وهنا يوجد مبدأ المحدودية، فكلما حدد الإنسان ذاته وحجمها وردعها من خلال الضبط ولجم الشهوات، زادت خصوبته في الإنجاز والإبداع، فالسجين المحكوم عليه بسجن مؤبد في حبس انفرادي يصبح امرء شديد الإبداع، قد يجد في حشرة عنكبوت على حائط زنزانته مصدرا لمتعة عظيمة، وتسلية فائقة. أو إثارة متابعة صوت تساقط قطرات الماء الرتيب من حافة سقف منزل معطوب.
والسر في ذلك يكمن في غياب التوقع، إن انعدام التوقع يجعل الإنسان يبطئ من إيقاع حواسه التي تؤدي إلى تضخيم قدراته على الإدراك، وهو يتوصل إلى تحقيق ذلك التباطؤ بزيادة انتباهه.

 

إنه يفعل ما يفعله العالم الذي يضبط وضع الشريحة التي يفحصها في بؤرة عدسة الميكروسكوب.
وبهذا يقرر ويلسون إلى أن كل الجنس البشري يحتوي على عنصر إجرامي، ولحسن الحظ فإن قليل منا يمضي إلى المدى الذي ذهب إليه أعتى المجرمين وأبشعهم، ولا يعود السبب إلى خوفنا من المجتمع وقوانينه الرادعة، بل لأن الغالبية أذكياء بما يكفي طبقا «لمبدأ المحدودية»، والذي يعني إدراك أن السعادة البشرية تنبع من الانضباط الذاتي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا