النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

موهبة الارتجال

رابط مختصر
العدد 9681 الاحد 11 اكتوبر 2015 الموافق 27 ذو الحجة 1436

الارتجال سمة أو هبة ربانية تنساب منها الكلمات كالماء الهادر، وتنبع منها المعاني والعبر دون عناء أو تخطيط. وكأن من يملكها يمتزج فكره بالطبيعة والحكمة والنبوغ في سيمفونية رائعة الإبداع. فحين يتحدث هذا المفوه، تنصت له الآذان، وتخفض له الأصوات، وتتابعه العقول بانبهار تام، وكأنه يقول سحراً لا كلماً. يعتلي جواد الحوار ويبارز كل متحد، ويحصل على التقدير لمهاراته حتى لو لم ينتصر في جميع جولاته، فهو بطل المواقف المفاجئة والقرارات الصعبة.
ويُعرف المفهوم المطلق للارتجال، على أنه المقدرة على التصرف السريع والسيطرة على المواقف الطارئة والاستفادة من الظروف للحصول على أفضل النتائج. كأن يتحدث رئيس دولة ما ارتجالاً ودون وجود لنص مكتوب أو سيناريو معد مسبقاً، ليبهر العالم بأطروحاته وبلاغته، ويكسب جولاته. ورغم الاتفاق التام على أن هذه السمة موهبة، إلا أنني وكشخصية أكاديمية نفسية وكمدربة في بناء وتطوير الذات، أعتبر الارتجال كمقدرة وفن ومهارة يمكن تعلمها وتطويرها لو توافرت بعض مقوماتها، والتي أذكر منها وجود درجة جيدة من الذكاء، سرعة البديهة، والثقة بالنفس، والتدرُب على مقومات الحوار والتفاوض.
والارتجال هو في الواقع ردة فعل فكرية ولفظية لموقف مفاجئ، أو لسؤال غير متوقع. وكثيرون هم الأشخاص الذين يصابون بالتوقف الذهني أو ما يعرف بـ Mental block والنسيان الفوضوي، إن جوبهوا بمواقف مفاجئة تضطرهم للكلام أو التصرف والتفكير السريع والإجابة المحددة دون إعداد. وربما امتنع هؤلاء عن الإجابة أو تهربوا من الموقف الضاغط بقول «لا أعرف». وهنا يأتي دور فرسان الارتجال، من يقتنصون الفرص أولاَ ويفوزون بالغنائم والفتوحات، فالشخص الذي لا يمكنه الارتجال، يسبقه ذاك المتوقد ذهنياً ليخطف الأبصار ويجيب على جميع التساؤلات بكل ثقة وجرأة ليترك ذاك المتعوس في ذهوله.
وإن كان وصف المذهولين هذا هو للعامة من البشر، فسوف نعتبر الأشخاص الارتجاليين إذن أشخاصا محنكين ومستعدين لاتخاذ زمام المبادرة والقيادة كالما دعت الحاجة لذلك. حيث يمثل الارتجال هنا مقدرة وموهبة لا تتكرر كثيراً، فالارتجال سمة ذات أهمية قصوى في تحقيق النجاح وخصوصاً في مجال الصفقات التجارية والاقتصادية، والتي تعتبر عامل الوقت عاملا حاسما في الصمود أو الصعود للأفضل. ولا تقتصر أهمية الارتجال على التجارة والاقتصاد فحسب، بل تتعداها إلى البت في جميع المشاريع المطروحة، أو في المشاركات غير المسبوقة، على مستوى عملية اتخاذ القرار، فالشخص حاضر الذهن يمكنه اقتراح الجديد دائماً، ولا نبالغ إن قلنا أن لفن الارتجال صلة وثيقة بمستوى الذكاء والإبداع كما أشرنا سابقاً، فما يميز الشخص الذكي عادةً، هو سرعة البديهة وتنوع التفكير في حل المعضلات التي تصادفه مهما كانت شاكلتها أو ما يطلق عليه مجازاً «التفكير خارج الصندوق».
وبعد هذا الإسهاب في توضيح معنى وضرورة الارتجال، دعوني أعرفكم بسبل تنميته لدينا، فكما تُدرب العضلات الجسدية على الحركة والمقاومة، بهدف تحمل الضغط المفاجئ، تُدرب كذلك المقدرات العقلية على التنظيم والتحليل والاستعداد للمباغتة، مع فتح أفاق كبيرة لتعددية الحلول.
فتعويد العقل على التفكير في الحلول السريعة، والمتفتحة يجعله قادرا على التحرك بسرعة عند اللزوم. ويمنحه الدرع الذي يحتاج في مقابل نبال الشك بالفوز. وعنصر الثقة بالنفس هنا هو مربط الفرس، وهو المفتاح الضروري للنجاح والانطلاق للكثير من المشاريع الكبيرة والتي يتميز بإنجازها المغامرون، ممن يقبلون التحدي بصدورهم العارية وقلوبهم الفولاذية. لذا يجب أن نؤمن بعقولنا وأن لا نستنقصها حقها، بل يجب الا نكبر الأشياء ونعظمها، حتى لا نبدو صغارا وعاجزين أمامها.
فالشخص المبالغ في النظامية مثلاً، والمؤمن بالبيروقراطية (نظام المكاتب)، والذي يتسمر في مقعده مدعياً أن الكثير من المشاريع مستحيلة التنفيذ، يتغلب عليه في العادة ذاك الشخص المتفتح الذهن، الجاهز للمفاجأة والمستعد للمخاطرة المدروسة، ليجد السبيل المناسب لتنفيذ العمل الذي بدا مستحيلً لغيره. فالمغالاة الإدارية أو المبالغة في تأخير المشاريع وتجميدها هي العدو المتربص بالفاشلين وهو ما يتجنبه الشخص المغامر وسريع البديهة للانطلاق وبجرأة وسرعة لعالم اليوم المتجدد والتربع على عرش النجاح.    

استشارية نفسية بمركز الشرق الأوسط الطبي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا