النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

عندما يغيب الدعم النفسي تغيب الحياة

رابط مختصر
العدد 9555 الأحد 7 يونيو 2015 الموافق 19 شعبان 1436

الدعم النفسي (Emotional support) مصطلح تعارف عليه علماء النفس ليصفوا به جميع أنواع المساندة المقدمة من قبل أفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء. فالكثير من أحداث الحياة المؤلمة يمكن التكيف معها بإيجابية في حالة توفر الدعم النفسي والاجتماعي من المحيطين بنا وتخفيفهم لآلامنا.  
ويرتبط هذا الدعم في العادة بمستوى التوقعات لدى كل منا، بمعنى أنه لو توقع الطفل مثلاً تفهم والديه لانحِدار مستواه الدراسي بسبب وعكته الصحية أثناء الامتحان لهانت عليه المصيبة، حيث يعتبر هذا التفهم من الوالدين تقديرا جيدا للحدث، ولكن الطامة الكبرى للطفل حين يغضب الوالدان من إنجازه متهمينه بالتقصير، عندها تصبح الصدمة كبيرة على إدراك هذا الطفل الصغير لدرجة قد يتطور الموضوع لديه لا شعورياً ليصبح عقدة نفسية صعبة الإصلاح قد تصل لدرجة الفوبيا «الخوف المرضي» من المدرسة أو الامتحانات أو الخوف من المرض ذاته. كذلك الحال عندما يتوقع الحبيب تفهم وتقدير حبيبته لعجزه وعدم تمكنه من الارتباط السريع بها لضيق ذات اليد، فيما تقرر هي ومن غير سابق إنذار تركه إلى اخر أكثر ثراءً وسلطة واتهامه بالتراخي وعدم الجدية دون ادنى اعتبار لظروفه. عندها تكون الصدمة كبيرة على هذا الحبيب لدرجة قد تُفقده الثقة في كل جنس حواء. كذلك الحال مع الزوج والزوجة والصديق والصديقة والأهل والأبناء عندما نتوقع الدعم والتفهم ممن نحب ولكننا عوضاً عن ذلك نجابه باللوم والتأنيب، عندما تفشل كل التوقعات ونصاب بخيبة أمل في المساعدة تكون عندها الطامة الكبرى على الجسد والنفس يصعب بعدها التداوي والتعافي.
تسري تلك الخيبة كالسم في الجسد حيث يهتز ويضعف جهاز المناعة تاركاً الجسد عرضة للكثير من الأمراض النفس - جسمية كقرحة المعدة وتكرار نوبات الربو والذبحة الصدرية والسكتة الدماغية والسرطان وارتفاع ضغط الدم والسكر وغيرها من الأمراض التي تتكالب علينا وقد يصل معها الأمر في نهاية تلك الخيبة إلى الهلاك التام.
فقد أثبتت الدراسات الطبية والنفسية أن هناك علاقة موجبة بين توفر الدعم من المحيطين وتحسن الحالة الصحية للمرضى أو الأشخاص الذين يعانون من مشاكل اجتماعية ونفسية كفقدان إحدى أفراد الأسرة أو الخسارة المالية الكبرى. وعلى النقيض بالنسبة للأشخاص الذين توقعوا الدعم من المحيطين ولكن لم يجدوا من يساندهم في مصابهم الجلل. فقد أثبتت الدراسات أيضاً والتي قارنت بين فئتين من الرجال، حصلت إحداها على الدعم من الأقارب بينما لم يتسن للفئة الأخرى ذلك، فقد تبين أن المجموعة اللا مدعومة قد عانت الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية كالاكتئاب والقلق مقارنة بالفئة المدعومة والتي أظهرت تكيف إيجابي واستقرار في الصحة الجسدية كنتيجة لمستوى الدعم المتميز الذي حصلت عليه من المقربين والأصدقاء.
وتعتبر طبيعة المشكلة النفسية ودرجتها من العوامل المهمة التي تؤثر في أهمية الحصول على الدعم النفسي والمساندة. ففي دراسة موثقة تبين أن فقدان القرين «الزوج أو الزوجة» من المصائب الجلل والتي تتصدر حوادث الحياة، ورغم صدمتها إلا أن وجود الدعم والتقدير يهونها على المصدوم. والغريب في الأمر أن تأثير هذا الفقد على الرجال أكبر بكثير من النساء. ففي دراسة أجريت على 4000 أرمل من الرجال تبين أن 40% معرضين للموت حزناً على زوجاتهم في الست اشهر الأولى لفقدان الزوجة مقارنة بالمتزوجين ممن يعيشون مع زوجاتهم بسلام خصوصاً عندما لا يحصل هؤلاء على الدعم والمساندة من الآخرين.
وعند معرفة كل تلك الآثار الفعالة لأهمية وجود الدعم النفسي والاجتماعي نقول ماذا يكلفنا منح الدعم للآخرين وتقديم العزاء والمواساة لهم العزاء وقد حث دينانا الإسلامي الحنيف على ذلك. ويجب أن نلحظ عند التحدث إليهم نوعية الحديث فلا نزيد من همومهم باسترجاع تفاصيل الأحداث المؤلمة التي المت بهم بل يجب أن يتمحور الحديث عن أشياء مبهجة ترفع من معنوياتهم وتشعرهم أنهم ليسوا وحدهم. حتى لو تطلب الأمر أن نأخذهم في نزهة مريحة تزيل عن عاتقهم الضغوط والألم. هل صحيح أن المدنية والحياة العصرية قد غيرتنا وأصبحت العلاقات الإنسانية شخصية فعلاً، كما يقال محلياً «نفسي نفسي.. ومن بعدي الطوفان؟» لقد دعانا إسلامنا الحنيف إلى التراحم والتلاحم والتكاتف في المصائب مقابل أجر الآخرة، فهل نستذكر هذه القيم ونعمل بها.
ربما نحتاج إلى تكوين جماعات للدعم النفسي والاجتماعي والتي يفتقدها مجتمعنا الصغير الذي يعرف أفراده بعضهم البعض ومع ذلك لا يجرؤ الواحد منا على البوح بأسراره لتلك الجماعات أن وجدت خوفاً من انكشاف هذه الأسرار. وعلى الرغم من وجود المحاذير والتردد، إلا أنني أعتقد شخصياً أنه في حالة وجود حسن النية وتوفر الثقة حينها فإنه لن يتردد أفراد هذا المجتمع الطيب في الاستعانة بتلك الجماعات التي تكونت منهم وإليهم. ربما أنه قد آن الأوان لتكوين جماعات الدعم كجماعة مرض السرطان والسكر والجماعات الأخرى ولكن في إطار اجتماعي نفسي جديد ليس للمرضى الذين يعانون من أمراض جسديه فحسب بل للأمراض النفسية والاجتماعية على حد سواء. فهل تجد تلك الدعوة صدى لها؟
استشارية نفسية بمركز الشرق الأوسط الطبي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا