النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10813 الجمعة 16 نوفمبر 2018 الموافق 8 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:37AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

عندما يحتضر الحب

رابط مختصر
العدد 9513 الاحد 26 ابريل 2015 الموافق 7 رجب 1436

 

أشارككم‭ ‬اليوم‭ ‬بإحدى‭ ‬قصص‭ ‬الاستشارات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬أشرف‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬استئذان‭ ‬أصحابها،‭ ‬لما‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬تدعو‭ ‬للتروي‭ ‬والتأمل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لمن‭ ‬عقد‭ ‬العزم‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬شريك‭ ‬العمر‭. ‬فقد‭ ‬يستحضر‭ ‬من‭ ‬قضيتنا‭ ‬اليوم‭ ‬العبرة‭ ‬والحكمة‭. ‬

كانت‭ ‬فتاة‭ ‬حالمة‭ ‬تتمنى‭ ‬رجلا‭ ‬جنتلا،‭ ‬راقيا‭ ‬بمعنى‭ ‬الكلمة‭ ‬كما‭ ‬أخبرتني‭. ‬رجل‭ ‬يعاملها‭ ‬كأميرة،‭ ‬يطير‭ ‬بها‭ ‬فوق‭ ‬السحاب‭ ‬الوردي‭ ‬عند‭ ‬الأصيل‭. ‬كانت‭ ‬تتمنى‭ ‬أن‭ ‬تمضي‭ ‬الأمسيات‭ ‬الجميلة‭ ‬على‭ ‬أضواء‭ ‬الشموع‭ ‬المتساقطة‭ ‬لتغمض‭ ‬جفنيها،‭ ‬تغفو‭ ‬بحب‭ ‬وتصحو‭ ‬على‭ ‬حب،‭ ‬متفائلة‭ ‬بيوم‭ ‬جديد‭ ‬يدغدغ‭ ‬أنوثتها‭ ‬ويحرك‭ ‬مشاعرها‭ ‬المتعطشة‭ ‬لكلام‭ ‬الحب‭ ‬والعشق‭ ‬المتجدد‭. ‬كانت‭ ‬تحلم‭ ‬بأن‭ ‬تمضي‭ ‬حياتها‭ ‬كاملة‭ ‬متأبطة‭ ‬ذراعي‭ ‬حبيبها‭ ‬القويتين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬يخصها‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تشاركها‭ ‬الكثيرات‭ ‬من‭ ‬فتياتنا‭ ‬الحالمات‭ ‬بحياة‭ ‬كالعسل،‭ ‬لا‭ ‬تشوبها‭ ‬مشاكل‭ ‬ولا‭ ‬تعكر‭ ‬صفوها‭ ‬أمور‭ ‬الحياة‭ ‬الروتينية،‭ ‬يحلمن‭ ‬بحب‭ ‬لا‭ ‬يموت‭ ‬ولا‭ ‬يمرض‭ ‬ولا‭ ‬يشيخ‭. ‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬البسيط‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها،‭ ‬فقد‭ ‬تزوجت‭ ‬فتاتنا‭ ‬زواجاً‭ ‬تقليدياً‭ ‬ومن‭ ‬زوج‭ ‬تقليدي‭ ‬أيضاً‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الزوجة‭ ‬ربة‭ ‬بيت،‭ ‬يتزوجها‭ ‬لتطهو‭ ‬له،‭ ‬وترتب‭ ‬حياته‭ ‬وتنجب‭ ‬له‭ ‬أولاده‭. ‬وكعادة‭ ‬المخطوبين‭ ‬حديثاً‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬حنونا‭ ‬وكريما‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬حبه‭ ‬وعن‭ ‬هيامه‭ ‬بها‭ ‬وبجمالها،‭ ‬ما‭ ‬أشعرها‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬وجدت‭ ‬ضالتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزوج‭ ‬الذي‭ ‬انتظرته‭ ‬طيلة‭ ‬حياتها‭. ‬

ولكن‭ ‬لم‭ ‬يمضِ‭ ‬غير‭ ‬شهور‭ ‬قليلة‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬تعابير‭ ‬الحب‭ ‬المتأجج‭ ‬في‭ ‬الاختفاء‭ ‬وبدأت‭ ‬أمسيات‭ ‬الحب‭ ‬التي‭ ‬حلمت‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬التلاشي‭ ‬وبرزت‭ ‬مكانها‭ ‬علامات‭ ‬البخل‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬شديد‭ ‬على‭ ‬زوجها‭. ‬قالت‭ ‬الفتاة‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬مشغول‭ ‬بتوفير‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬لي‭ ‬ولمن‭ ‬في‭ ‬بطني‭ ‬ولكن‭ ‬طال‭ ‬انتظارها‭ ‬لتلك‭ ‬الكلمات،‭ ‬وذاك‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬شاخ‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المهد‭. ‬كان‭ ‬ظمأها‭ ‬للحب‭ ‬وللكلمات‭ ‬الرومانسية‭ ‬يزداد‭ ‬مع‭ ‬أشراقة‭ ‬كل‭ ‬شمس،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬قلبها‭ ‬كالصحراء‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نسمة‭ ‬حب‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬زهرة‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمها‭ ‬الذي‭ ‬صحت‭ ‬منه‭ ‬سريعاً‭. ‬

حاولت‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬طاقتها‭ ‬الكبيرة‭ ‬للحب‭ ‬نحو‭ ‬أبنائها‭ ‬ولكنها‭ ‬بحاجة‭ ‬للرجل‭ ‬الفارس‭ ‬الذي‭ ‬حلمت‭ ‬به‭ ‬وانتظرته،‭ ‬رجل‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الطاقة‭ ‬المتأججة‭ ‬للحب،‭ ‬بحاجة‭ ‬لسيل‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬يكتسح‭ ‬صحراءها‭ ‬المجدبة‭ ‬المتعطشة‭ ‬للمشاعر‭. ‬حاولت‭ ‬بأنوثتها‭ ‬أن‭ ‬تحرك‭ ‬هذا‭ ‬الجبل‭ ‬الجليدي‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يزداد‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬زوجها‭ ‬فلم‭ ‬تستطع،‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬استعمال‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬الزواج‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬حرارة‭ ‬مشاعر‭ ‬الزوج‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬وكيف‭ ‬لمعول‭ ‬صغير‭ ‬أن‭ ‬يهز‭ ‬جبلا‭. ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أتى‭ ‬يوم‭ ‬شعرت‭ ‬فيه‭ ‬باليأس‭ ‬من‭ ‬المحاولة‭ ‬وتكرار‭ ‬المحاولة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سقط‭ ‬المعول‭ ‬من‭ ‬يديها‭ ‬الضعيفتين‭.‬

كم‭ ‬شعرت‭ ‬فتاتنا‭ ‬في‭ ‬ذاك‭ ‬اليوم‭ ‬بالوحدة‭ ‬والخوف‭ ‬والضياع،‭ ‬ضياع‭ ‬حلمها‭ ‬المتواضع‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الحب‭ ‬الحقيقي‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها،‭ ‬ومن‭ ‬شدة‭ ‬يأسها‭ ‬فتحت‭ ‬النقال‭ ‬وصارت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬رجل‭ ‬يرد‭ ‬على‭ ‬مكالمتها‭. ‬لم‭ ‬تنتظر‭ ‬طويلاً‭ ‬بل‭ ‬أتاها‭ ‬صوت‭ ‬مفعم‭ ‬بالرجولة‭ ‬والحيوية‭ ‬ليقول‭: ‬نعم‭ ‬من‭ ‬المتكلم،‭ ‬لترد‭: ‬أنا‭. ‬من‭ ‬أنتِ‭: ‬أناة‭ ‬وتلعثمت،‭ ‬وبسرعة‭ ‬ودون‭ ‬تفكير،‭ ‬أغلقت‭ ‬الخط‭. ‬لم‭ ‬يرضَ‭ ‬صاحبنا‭ ‬بهذا‭ ‬الرد،‭ ‬ليعاود‭ ‬الاتصال‭ ‬برقم‭ ‬الهاتف،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬قصتها‭ ‬الجديدة‭ ‬ومغامرتها‭ ‬التي‭ ‬جددت‭ ‬الأمل‭ ‬لديها‭ ‬بوجود‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬الأسطورة‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تحلم‭ ‬به،‭ ‬ذاك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يشعرها‭ ‬بأنوثتها،‭ ‬بحرارة‭ ‬مشاعرها،‭ ‬وبأهمية‭ ‬تلك‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬عاشت‭ ‬صاحبتنا‭ ‬حلمها‭ ‬بالحب‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬حياتها‭ ‬الممل‭ ‬البارد‭. ‬لقد‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬بعقلها‭ ‬وعرف‭ ‬سريعاً‭ ‬نقطة‭ ‬ضعفها‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تخن‭ ‬زوجها،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بجسدها،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬باتت‭ ‬ليالي‭ ‬كثيرة‭ ‬تحلم‭ ‬بالآخر‭ ‬ومتى‭ ‬يتحقق‭ ‬لها‭ ‬الزواج‭ ‬الجديد‭. ‬

إلى‭ ‬أن‭ ‬أتت‭ ‬يوماً‭ ‬إلى‭ ‬زوجها‭ ‬طالبة‭ ‬فيه‭ ‬الطلاق،‭ ‬لم‭ ‬يصدق‭ ‬زوجها‭ ‬ما‭ ‬سمع‭ ‬وصرخ‭ ‬متسائلا‭: ‬لماذا؟؟؟‭!!! ‬أجابت‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬لأنك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحبني‭ ‬ولم‭ ‬أعد‭ ‬أنا‭ ‬أحبك،‭ ‬فحبنا‭ ‬يحتضر‭. ‬لم‭ ‬يعتقد‭ ‬الزوج‭ ‬بأنها‭ ‬جادة‭ ‬فيما‭ ‬تقول،‭ ‬واعتقد‭ ‬أنه‭ ‬مجرد‭ ‬تدلل‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬لتلفت‭ ‬نظره‭ ‬لتقصيره‭ ‬في‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭. ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تترك‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬للتفكير‭ ‬بل‭ ‬كررت‭ ‬طلبها‭ ‬للطلاق،‭ ‬ثار‭ ‬الزوج‭ ‬وسألها‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬بشخص‭ ‬آخر،‭ ‬فردت‭ ‬بالإيجاب‭ ‬قائلة‭: ‬هو‭ ‬أرق‭ ‬منك،‭ (‬جنتل‭ ‬مان‭) ‬رجل‭ ‬بمعنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬يسمعني‭ ‬كلمات‭ ‬قد‭ ‬حُرمت‭ ‬منها‭ ‬وطلبتها‭ ‬منك‭ ‬كثيراً،‭ ‬ولكنك‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬وأدرت‭ ‬لي‭ ‬ظهرك‭ ‬لتتركني‭ ‬وحيدة‭ ‬مهملة،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬اليوم‭ ‬أنشد‭ ‬الحرية‭ ‬لأرتبط‭ ‬بمن‭ ‬سيعوضني‭ ‬سنين‭ ‬حياتي‭ ‬فقد‭ ‬وعدني‭ ‬بالزواج‭.  ‬

لم‭ ‬يستطع‭ ‬الزوج‭ ‬تحمل‭ ‬الصاعقة،‭ ‬فطلقها‭ ‬على‭ ‬الفور‭. ‬شعرت‭ ‬حينها‭ ‬بالحرية‭ ‬وبقرب‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمها‭ ‬بالزواج‭ ‬من‭ ‬الآخر،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬كادت‭ ‬أحلامها‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬إلا‭ ‬وتعذر‭ ‬صاحبنا‭ ‬فارس‭ ‬الأحلام‭ ‬الجديد‭ ‬قائلاَ‭: ‬ماذا‭ ‬سأقول‭ ‬لزوجتي‭ ‬ولأولادي‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فتاتنا‭ ‬تعلم‭ ‬عنهم‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬هدمت‭ ‬بيتها‭ ‬وهجرت‭ ‬أولادها‭ ‬بحثاُ‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬المفقود‭.‬

 

المختصة‭ ‬النفسية‭ ‬بمركز‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الطبي

 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا