النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

تكريس ثقافة التنوع

رابط مختصر
العدد 9466 الثلاثاء 10 مارس 2015 الموافق 19 جمادى الاول 1436

هل يمكن أن أكون مختلفاً؟ أن تكون لدي وجهات نظر مختلفة؟ لقد بات السؤال السابق أساسياً في وقت بات يشعر فيه المرء بتصاعد التيارات الأصولية المتطرفة الساعية إلى طباعة الناس جميعاً بقالب واحد، حتى نكون نسخاً مكررة عن بعضنا البعض، بعد أن تسلب منا حقنا بأن نكون مختلفين في الأفكار والأفعال. في معرض حديثي عن ثقافة الاختلاف والتنوع، اسمحوا لي أن أعرض مثالاً من الطبيعة نفسها، هناك غابات موجودة في مناطق مختلفة من العالم حيث تنمو أشجارا بائسة متباعدة تشبه بعضها البعض في تربة جرداء قاحلة. وبالمقابل هناك الغابات المطيرة في إندونيسيا حيث أعلى درجة تنوع من الكائنات الحية مقارنة بأي مكان في العالم، ولك أن تتخيل هذا المكان الذي يعيش فيه أكثر من 1500 نوع من الطيور، كما ان جزيرة بورنيو هناك لديها أكثر من 2000 نوع من السحالي!. في مكان كهذا يمكن أن تمضي حياتك كلها في محاولة استشكاف جزء صغير من عجائب خلق الله. المثالان السابقان يظهران بوضوح أن إزالة التنوع يعني انهيار منظومة الحياة كاملة، وهنا يمكن القول إن صحة ورفاه نظام أو مجتمع يتناسب طرداً مع درجة الاختلاف والتنوع. فهل نحن البشر كمخلوقات عاقلة جُبلت على التفكير والابتكار والقدرة على التكيف نفضِّل الرتابة المقيتة؟ أم التنوع الجميل والملهم؟ المتشددون الأصوليون في الأديان السماوية الثلاثة، أرادوا منا على الدوام أن نأخذ الخيار الأول، حيث يطلبون من الجميع التفكير والتصرف بنفس الطريقة تماما، زاعمين أنهم وحدهم من يملك الحقيقة المطلقة، والحق في عقاب من يخالفهم، وأي عقاب!. وفيما التنوع يلهمنا، وتطور المجتمع يعتمد بشكل أساسي على التفاعل مع المفاهيم الجديدة وطرق التفكير الأخرى، وخلق مناخ للابتكار، هذا الابتكار الذي ينظر إليه المتشدِّدون الاسلاميون على أنه «بدعة»، وهو الخطيئة الكبرى والجريمة التي يجب محوها، وفقا لرؤيتهم للمجتمع الإسلامي الذي يجب أن يكون خالياً من أي شكل من أشكال التنوع والابتكار والتفكير المستقل. من الأمثلة الجيدة على ما سبق هو مجموعة الفاشيين -أنا استخدم هذه الكلمة بعد دراسة متأنية- الذين يأتون في كل عام، ويحاولون حظر فعالية «ربيع الثقافة» التي تقام سنوياً في البحرين. لماذا التضييق على ربيع الثقافة ومحاولة حظره؟ لأنه يتضمن فقرات غنائية فنية متنوعة وعروضا ورقصات ومعزوفات من ثقافات أخرى، ولأن المشاركين والمتابعين لتلك الفعاليات تجرَّؤوا على تذوق تلك الثقافات، ولأن الأجواء الاحتفالية لهذه الفعالية تتضمن التنوع والإبداع والابتكار الذي يكرهه أولئك المتطرفون. وهذا ما يؤكد أن ايديولوجية داعش القائمة على انعدام التنوع ستنفجر في نهاية المطاف بنفسها من الداخل، عندما يستند المجتمع الساعين إلى بنائه على مبدأ التعصب الأعمى، ثم يصبح الجميع عرضةً للاشتباه بأنهم ليسوا ملتزمين بما فيه الكفاية. لقد حدث ذلك خلال الثورة الفرنسية، أي شخص كان يشتبه في عدم إخلاصه الثوري بما فيه الكفاية يتم إعدامه بالمقصلة، حتى ولو كان من قادة الثورة، واعتقد جازماً أن قادة داعش ينتظرهم نفس المصير . إن إحدى طرق الحفاظ على تنوع المجتمع في مواجهة تيارات التطرف والتعصب هو غرس حرية الفكر والتعبير في أطفالنا، وتطوير أساليب تعليمهم بطرق تحفزهم على الإبداع والاستنتاج، وليس الحفظ والتكرار، وبما يمكن الجيل الجديد من أن يتحول لمحرك يحقق التقدم لصالح البشرية جمعاء. وألاحظ من متابعتي لأولادي وأحفادي أنه عند وضعهم في بيئة متنوعة ومحفزة تنمو قدراتهم الإبداعية، ويجري تحفيز ذكائهم ومقدرتهم على توليد الأفكار والحلول غير التقليدية، في وقت يثبت فيه علماء النفس أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة قاحلة غير محفزة، فإن تفكيرهم سيصبح بليدا شيئا فشيئا. كما انني أحرص على أن تكون بيئة العمل من حولي معتمدةً بشكل كامل على الإبداع والابتكار، وأحرص كل الحرص على توظيف ألمع وأفضل الشباب الذين يجرؤون على التفكير بطرق مختلفة، والذين يأتون بأفكار جديدة تشكل مفاجأة وتحديا لي. وبإمكاني أن اتخذ أي مكان في العالم مقراً رئيسياً لإطلاق وإدارة أعمالي، في القاهرة أو بيروت أو الرياض أو دبي أو لندن أو نيويورك، ولكني اخترت البحرين لكثير من الأسباب ربما يكون على رأسها هذا التنوع الحيوي والتسامح الذي يتصف به المجتمع البحريني. ففي العديد من بلدان المنطقة والعالم، يمكن أن يجري اعتقالي بسهولة نتيجة لمعتقداتي وأفكاري التي أوردت بعضها في الفقرات أعلاه، لكني أعيش في البحرين، بلدي، حيث تنتشر ثقافة التسامح واحترام التنوع الثقافي والديني والحوار بين الأديان والثقافات والحضارات وثقافة السلام وسيادة القانون. إن رؤية جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بعيدة النظر للإصلاح والحريات المنصوص عليها في ميثاق العمل الوطني والدستور حافظت على البحرين نموذجاً للتسامح والتعايش على مستوى العالم، وضمنت حرية سياسية واقصادية واجتماعية، والأهم من ذلك أنها حصَّنت المجتمع البحريني من إرهاب فكري يمكن أن تفرضه عليه قلة متعصبة متطرفة. إن التنوع ليس خياراً بالنسبة للمجتمع. بل هو شرط مسبق وضروري لوجود أي تجمع بشري قابل للحياة والتطور، يتمتع بتعددية سياسية واجتماعية، مجتمع مدني نابض بالحياة يتسم أفراده باستعدادهم الدائم لتحدي التطرف ونبذه. لكل ذلك، دعونا نحتفي بالتنوع باعتباره واحدة من السمات المميزة للمجتمع البحريني منذ الأزل، ودعونا نتأكد من أننا نربي أطفالنا على هذا التنوع، بما يضمن أن يكونوا المحرك الخلاق لتعزيز نجاح البحرين في المستقبل. * الرئيس التنفيذي لمجموعة بروموسفن

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا