النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10761 الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 الموافق 14 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

محمـــــد دكــــروب

رابط مختصر
الأثنين 8 ربيع الاول 1431هـ العدد 7623

هو «سنديانة» لبنانية ثقافية وارفة الاوراق.. جذورها الحمراء... ضاربة في اعماق الارض اللبنانية.. ومنذ الخمسينات كنا نحن معشر اليسار في المملكة العربية السعودية نستظل فكراً وادباً وثقافة تحت سنديانة كتاباته في مجلة «الثقافة الوطنيّة» وفي جريدة «الصرخة» وجريدة «الأخبار» ومجلة «الطريق» وكان زادنا الثقافي الاعذب والاجمل الذي كنا نتلقفه بشوق ونلوذ به في عقولنا ونحتضنه بقلوبنا ونستوي فيه ويستوي فينا وعياً ثقافياً وفكرياً على طريق الانسانية التقدمية في مشارق الارض ومغاربها!! يوم الاثنين التاسع من شهر فبراير 2010 كنت وجها لوجه في بيته العامر بالتواضع في بيروت.. هو قصير القامة ملموم البدن انيق الهندام وله عينان ملمومتان ضيقتان ينبجس من بينهما ضوء ناعمٌ هامس مضيء.. انفه المبروم يمتد مستطيلاً بين وجنتين هامدتين.. وارنبة تطل على شفتين ناعمتين رقيقتين وردّيتين مبتسمتين.. عندما يخطو كانه يخطو على شوك.. واحيانا كانه يخطو على ماء.. وكأن في حديثه ماء وشوكاً... ولا ادري لماذا جمعت فيه - متخيلاً - الماء والشوك (...) وعندما افيق عليه في مُخيلتي اتذكّر قول ديكارت بان المخيّلة “سيدة الخطأ والصواب” ليكن.. او لا يكن.. فهو يحفر البدن بالشوك ويدفع فيه بالماء.. وكأنه يريد ان يذكّر: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” فأتذكّر سونامي طوفان الموت في الماء.. فاتناقض لاول مرّة في دكروب فيما يعرف ويهرف في فلسفة المطلق والنسبي.. فقد اختلط عليه الماء.. ولم يكن سهلاً فكّ عقدة الماء... يصخب في وجهي بود... فأتأمله بصمت.. فيتمادى في صخبه... فابادله صخب الود بصخب الود ففي صخب الود شتائم ود.. فأطيب جذلا في صخب تلقائية الشتيمة اللبنانية!! هو يوجه الشتيمة في الفضاء وفي الهواء وضد الرجعية والاستعمار والامبريالية الامريكية.. وكانه يعنيك.. ولا يعنيك.. وعندما يضرب صاخباً يصبح عقدة ماءٍ بلا ماء... ويختلط في الماء.. وهو بلا ماء!!! لم تكن الاحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما كانت في الماضي.. في الماضي كُنا رهن سمع وطاعة وولاء وانتماء لمن نتفق معه ومن لا نتفق معه.. في الماضي كنا نفكر بافكار غيرنا.. في الماضي كان الآخر يُفكر عنا.. في الماضي نضع فكر الآخر ازاء فكرنا.. وكنا ندفع بفكرنا خارجاً عنا.. ونُدخل فكر الآخر في فكرنا ونستوي فكراً في فكر الآخر.. وكان ذلك فجيعة ما بعدها فجيعة في عمق ثقافتنا من واقع ان الثقافة حراك افكار وتجاذب ثقافات وتطاحن مجتمعات!! لقد تدفق الماء في الماء.. واغرق ماء الماء صنمية الثقافة في طول الارض وعرضها وجعلها مشاعة للجميع على اجنحة ثورة المعلومات وفي ميديا الفضائيات والجرائد والانترنت وهندسة متنوع الحريات في الادب والثقافة والفن والابداع.. وتهاوت الاوثان الثقافية غرقا حتى الموت في سونامي ضياء الحضارات!! ولم تكن الثقافة حكراً لاحد.. ولم يكن الفكر حكراً لاحد.. ولم يكن الأدب والفن والابداع حكراً لاحد.. فليس على الفكر والثقافة والادب والفن الا حكر الحرية.. والمثقف يُصبح لوح خشب اذا تخشّب في ماضي الفكر والثقافة والادب والفن.. وانطوى روحاً ومادة على سنديانة مجد الآباء والاجداد وتلوّن في سنديانة واحدة دون ان يطبِّع سنديانته الثقافية والفكرية بسنديانات الدول والشعوب الاخرى دون استثناء.. فالثقافة في طبعها وطبيعتها تُطبِّع وتتطبَّع ولا راد لتطبع وتطبيع طابعها احد.. ففي النسبي ما يضيء وفي المطلق ما يضيء.. تماماً كما في الايجابي سلبي وفي السلبي ايجابي.. وتماماً كما في الامبريالية ما يفيد وفي الرأسمالية ما يفيد وفي الكلونيالية ما يفيد وفي الفاشية ما يفيد وفي الصهيونيّة ما يفيد وفي النيو - ليبرالية ما يفيد.. فيصطخب محمد دكروب ويتدفق شتماً لبنانياً فابتسم دون ان اعيره اذنا صاغية.. واردفُ قائلا بهذا يمكن تحديد الموقف بين النسبي والمطلق في الذي يُرى والذي لا يُرى: ففي النسبي ايجابي وفي الايجابي نسبي.. وفي الجدل رفضُ وقبول.. واخذٌ وعطاء فيما هو متاح وما هو ليس متاحاً في الحياة.. والفكر بطبيعته نقدي والنقد قبول ورفض في ظواهر الحياة المادية والفكرية.. وهو عين النظرة النسبية خلاف المطلق الذي هو قبول تام او رفض تام.. وهو ما لا يفهمه من تخشبت ادمغتهم على اطلال الماضي. ويرى محمد دكروب انه ليس هناك ما هو مفيد في الرأسمالية الآن.. بالرغم ان ما هو مفيد كان في البدايات الاولى للرأسمالية اما عندما بلغت ذروة مراحلها الاستعمارية فقد انتهى كل ما هو مفيد فيها.. واحسب ان في ذلك تشويهاً للموقف النقدي في القبول والرفض.. في الايجابي والسلبي في النسبي والمطلق الذي يجسد نبض الحياة مُستجدات ظواهرها.. من واقع ان العقل النقدي او الفكر النقدي يأخذ مسار تاريخية جدليته تجاه بدايات الرأسمالية مروراً بتطورها وتجدد مراحلها وفي حداثة وتحديث مُعطياتها الفكرية والمادية الى ان تأذن الحتمية التاريخية وظروف الحياة في صراعاتها الطبقيّة الى رحيلها والى الابد!! الفكر النقدي الجدلي التنويري مرتبط جدلاً بتطور ظواهر الحياة في سلبها وايجابها.. وعليه ان يغرف ما يفيد في نقده فيما هو سلبي وما هو ايجابي ولا عجب!! ولا ضير ان نجعل من فكرنا النقدي التنويري اماماً لنا وحده دون غيره.. مُستذكرين جدنا العظيم ابو العلاء المعري في مقولته النيّرة: “العقل الامام” واحسب ان الاستاذ محمد دكروب خير من يُدرك ذلك... الا اني ارى ان “الذكرى” على طريق مستجدات الحياة وظواهر عُقدها المادية والفكرية تنفع المثقفين العضويين وغير العضويين!! وكم طوّح بي الحزن وانتابني الألم وانا اقف على فتنة المثقف العضوي (...) الذي يدعو على اخيه المثقف العضوي بالموت في الاختلاف في الرأي اذ راح يترّحم عليه هازئاً وهو حي يرزق مكافح مناضل في الفكر والثقافة والادب.. بعد ان عاشا معاً نضالاً لا هوادة فيه اكثر من ستين عاماً!! عندما تتخشب العقول تتخشب الافكار وتتخشب النفوس وتتخشب الارواح ويفقد المثقف تجدده في الحياة ويُصبح كأنه “خُشب مسندة” والا ما بال هذا المثقف الذي يتخذ من نفسه ملكاً للموت لينقض على زميله ورفيق دربه متمنياً ان يُنهيه من الحياة!! وبعد: ان كان ما اقوله وما اكتبه في هذا الصدد ما يُفيد فان الفضل يعود الى الاستاذ محمد دكروب الذي استفاضني على شطآن الصواب والخطأ فيما يفيد وما لا يُفيد.. فقد كان يراني اني اخلط بين النسبي والمطلق كحاطب ليل... وكنت اراه ناقة عشواء كخبطها: يضع النسبي في المطلق والمطلق في النسبي.. وأذكِّره وهو جامحٌ صاخب: بان الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية.. ونتوادع بالقبلات والعناق دون ان اترحّم عليه كما ترحّم على رفيق دربه!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا