النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

النظام العربي ودروس تونس

رابط مختصر
العدد 7957 السبت 22 يناير 2011 الموافق 18 صفر 1432هـ

الانتفاضة الجماهيرية في تونس الخضراء اسقطت نظام زين العابدين بن علي واعوانه الذين حكموا تونس أكثر من عشرين سنة بسياسات القهر والاستبداد، وان فرار بن علي نتيجة لم تكن مفاجئة لان انتفاضة الجياع في أية بقعة في العالم حتمًا ستجبر الطغاة على الهروب من دون رجعة. انتفاضة الشعب التونسي الذي ناضل من اجل حقوقه بشراسة لا تحتاج الى تنظير، بل كل ما في الامر هو ان هذا الشعب كان يعيش غربة في وطنه بحكم غياب العدالة والمساواة وعدم الالتزام بتحسين أوضاعه المعيشية وبالاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها ان تعالج أزماته الداخلية المتفاقمة وفي مقدمتها الخبز والغلاء والبطالة، ولا شك ان ضيق حدود الديمقراطية وحقوق الانسان دفعت بهذه الانتفاضة ان تشتعل وتتوهج في هذا البلد الذي يمتلك إرثًا نضاليًا طويلاً ضد الاستعمار دعوة الى التغيير والتقدم نحو آفاق واسعة للحرية والديمقراطية وحقوق الانسان أهم اشكالية في الدول العربية التي وصفها تقرير حقوق الانسان الاخير بأن هذه الحقوق في هذه الدول خلال عام 2009 – 2010 اسوأ كثيراً من اعوام اخرى سبقته؛ لان النظم العربية تسبغ بأنفسها رضا على نفسها، واسوأ انواع الانتهاكات هي التي تستعصي على الادراك فتحجب سبل الاصلاح. دروس وعبر انتفاضة تونس ينبغي من بعض الدول العربية ان تضعها في عين الاعتبار، وان تضع في حسابها ان الحقوق من عمل وصحة وسكن وتعليم .. الخ لا تنفع معها المسكنات وإن نفعت أو صلحت لبعض الوقت فانها لا تنفع لكل الوقت، وتونس اليوم تقدم دليلاً آخر للتغيير في هذا القرن يضاف الى الكثير من الادلة والبراهين التي يشهدها تاريخ ثورات الشعوب. وهكذا، فان انتفاضة الياسمين التونسية جاءت تعبيراً عن التناقض والصراع الاجتماعي والطبقي المتحرك والمحرك للمجتمع والصانع لحركة التاريخ والمتطلع الى تحقيق قيم العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية. ان بلادنا العربية رغم تفاوت مستويات التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فيما بينها فان ازماتها الداخلية لا تزال أكثر ارتباطًا بالتنمية الشاملة في أبعادها المختلفة المعبرة عن احتياجات الانسان الاساسية، واذا كنا أكثر حرصًا على التغيير فلابد من توفير الخبز والحرية، وتونس التي تجمعت وتوحدت ارادة شعبها هكذا حرصت.. وهكذا انتفاضتها على القهر والظلم والتسلط تدخل التاريخ من اوسع ابوابه. بعض الدول العربية المزدحمة والمكتظة بالأزمات الداخلية في ظل المناخ الملبد بغيوم الاستبداد وبالإجراءات القمعية ومصادرة الحريات عليها ان تدرك ان احتياجات الشعوب ومتطلبات العيش الكريم لا يمكن ان تتحقق في ظل الكثير من الوعود والقليل من المصداقية، وانما بتوفير حقوق المواطنة المتساوية وبالمشاركة الشعبية الديمقراطية ومكافحة الفساد الذي يضاعف من تلك الازمات. كثيراً ما كتب عن هذه الازمات، ولكن كيف ندير هذه الازمات، هذا السؤال المهم الذي ستظل الاجابة عليه حلقة مفقودة طالما لا نحسن ادارة قضايانا الداخلية. وحول هذا السؤال كتب محمد خلفان الصوافي الكاتب الصحفي في جريدة الخليج الامارتية تحت عنوان «أزمة» ادارة الازمات يقول فيه احد العيوب الرئيسية في تعامل البلدان العربية مع الاضطرابات والازمات الداخلية المفاجئة هو تسكينها او ترحليها أو كما يطلق عليه «امتصاص الضربات» وعدم التعامل معها بجدية، حيث لا توجد فلسفة تحكم طريقة ادارة الازمة وانهائها سوى تخديرها أو تأجيل حلها. صارت بعض البلدان تعيش المشكلات يومًا بيوم فالمهم انهاء اليوم بدون مشكلة او الانتظار لرؤية ماذا سيحدث غداً. وقد اثبتت أكثر من تجربة ان البلدان العربية رغم اهتمامها بعلم ادارة الازمات لا تحتمل حتى مواجهة المشكلات الداخلية المحدودة التي يقوم فيها بعض افراد المجتمع بالتعبير عن غضب معين وغالبا ما تكون النتيجة عودة المشكلة مرة ثانية وربما اكثر قوة مما حدث في المرة الاولى، بل ان طريقة ادارة الاضطرابات احيانًا ما تكون سببًا في افتعال ازمات اخرى. وتحفل بعض الدول العربية بحالات صريحة من العجز عن ايجاد حلول جذرية لمشكلاتها الداخلية. وقد أثر هذا العجز على صورتها من حيث قدرتها على حسم الاضطرابات أو تقديم «كبش فداء» على شاكلة اقالة وزير أو مسؤول لانه لم يستطع السيطرة على الوضع او انه لم يقنع وسائل الاعلام بعدم التغطية أو تبرير ما حدث وكأن المشكلة في الوزير أو المسؤول رغم ان هذه المشكلات لها تاريخ طويل، وان اسباب الاضطرابات تحتاج الى حلول واقعية ومن نوعية اخرى وتبقى السلطة ناجحة في نظر الناس ما دامت قادرة على الاحتفاظ بالهدوء، ومجرد التعبير بأي طريقة تكون نتيجته اما القوة او الاقالة. وهذا بالفعل ما حدث لتونس وكذلك الجزائر التي شهدت هي الاخرى صدمات بين قوات الدرك والجماهير. متى نتعلم من دروس تونس؟ هذا هو السؤال الملح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا