النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

المصير الطبيعي لكل من لا يقرأ دروس السياسة

رابط مختصر
العدد 7957 السبت 22 يناير 2011 الموافق 18 صفر 1432هـ

راشد الغنوشي.. من يتذكر هذا الرجل؟.. هو مؤسس حزب النهضة الإسلامي المحظور في تونس. ولكن لماذا نتذكره الآن؟ فهو الذي توقع بعكس جميع السياسيين التونسيين نجاح انتفاضة الشعب التونسي فى الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي. بينما توقع الآخرون ان تمر الأمور على خير وتعود الأوضاع مرة أخرى الى سابق عهدها خاصة بعد خطاب بن علي. فقد صدق حدس وتوقعات الغنوشي، وهو الذي قرأ الموقف السياسي جيدا وأكد ان حركة الاحتجاج ستطيح بنظام بن علي وأعوانه. وعندما قرأ الغنوشي الخريطة السياسية في بلاده عشية الانتفاضة وأثناءها، لم يكن يظن ان نظام بن علي قابل للإصلاح، فهو عبارة عن مافيا وفساد، اما وعوده في الخطاب عن الديمقراطية فهي كاذبة. وللأسف وقع والإعلام الرسمي في تونس في الخطأ المتكرر عندما صدق خطاب بن علي وردد أقواله، وصدق كلام الرئيس المعسول بأن حالة الدم والحزن انتهت وقد جاء الفرح بامل جديد!! وزاد الإعلام الرسمي التونسي في غيه يوم هروب بن علي ووصف خطاب الرئيس المخلوع الذي ألقاه قبيل هروبه بساعات بانه « تاريخي»، اي نفس العناوين الصحفية القديمة. واذا كان ثمة سببان او ذريعتان مهدتا للثورة الشعبية التونسية وهما الاقتصاد والإصلاحات السياسية والديمقراطية، فإنني أميل الى تصديق الثانية وهي الإصلاحات اكثر من السبب الأول رغم أهميته هو الاخر. فتونس من أقوى الاقتصاديات العربية الأفريقية وحققت معدلات نمو مرتفعة، ولم يشعر معظم سكانها بضيق اقتصادي مقارنة بما هو حاصل في بعض الدول العربية الأخرى. واعتقد ان هم التونسيين المنتفضين الأول كان تحت عنوان « الديمقراطية» والانفتاح على العالم، بعكس الدول العربية التي يتوقع لها البعض معايشة نفس الانتفاضة التونسية، فمطالبها اقتصادية تتعلق بتوفير لقمة العيش للمواطنين. ولهذا.. رأينا بن علي في آخر خطاب له يركز على تنحيه عن السلطة في عام 2014، وهو بذلك يكون قد قدم تنازلاً سلطويًا ضخمًا للشعب التونسي الذي مل رؤيته، وكره أيضا سياساته العنيفة. ويكفي ان الرئيس المخلوع اعترف بسياساته القمعية بحق شعبه، عندما تعهد بوقف استخدام الشرطة الرصاص الحي في التعامل مع المتظاهرين. ولكن حتى هذا الخطاب، لم يخدع التونسيين الذين استمروا في المطالبة بإسقاطه هو وعائلته الفاسدة، خاصة أقارب وأشقاء زوجته الذين نهبوا مقدرات البلاد على حد هتافات المتظاهرين. المطالب التونسية ركزت على نقاط ربما نسيتها بعض الشعوب نظرا لمنطقيتها ولانها أصبحت أساسية في القرن الواحد والعشرين. ولكن النظام التونسي المخلوع لم ير هذا القرن وتطوراته ولم يطل عليه، فيما تمسك بسياسات القرون الوسطى. فقد فوجئنا ومعنا الكثيرون ان التونسيين يطالبون بإنهاء الحظر على مواقع الانترنت الاجتماعية مثل يوتيوب وفيس بوك، وفوجئنا أيضا ان موقع جريدة اللوموند الفرنسية يخضع للحظر هو الآخر. الى هذا الحد كان يعيش التونسيون في ظلام دامس، مما يدفعنا الى ان نتذكر معا قول الشاعر الشاب أبو قاسم الشابي: «اذا الشعب يومًا أراد الحياة.. فلابد ان يستجيب القدر ولابد لليل ان ينجلي .. ولابد للقيد ان ينكسر». انها كلمات عظيمة خطها الشابي قبل سنوات التحرر الوطني من المستعمر الأجنبي، ولم يكن يدر بخلدنا يوما ان نردد أبياته لتحرير الأوطان من مستعمرها الوطني. لقد أسبغ بن علي وعائلته صفة «القداسة» على حكمه ونظامه، ورفض التعامل بنظام التعددية السياسية الحقيقية ليواجه في النهاية مصير كل خائن لوطنه وكل طاغية، وكل من على شاكلته الذي يطمس مصلحة شعبه ويقمعه. فتونس لم تكن تتحرر من هذه العبودية لولا انتفاضة شعبها الذي له كل الحق في مطالباته الاقتصادية والسياسية. إن من يقرأ خطاب بن علي الأخير قبل هروبه المهين ليترك بلاده منهارة امنيًا وسياسيًا بدون قيادة تنتشلها من وعكتها، يدرك كيف ان الطغاة لا يهتمون سوى بمصالحهم وعائلاتهم فقط لا غير. فزين العابدين بن علي كان كاذبًا عندما قال :« لقد فهمتكم، فهمت الجميع العاطل عن العمل والمحتاج والسياسي»، وكذلك كان كاذبا عندما قال انه سيعرض الذين حجبوا الحقائق للمحاسبة، وانه لا يقبل ان تسيل قطرة دم واحدة وكفى عنفا.. فهو كذب عندما قال ان الوضع يفرض تغييرا عميقا وشاملا، وانه سيتم فتح المجال من (الآن) لحرية التعبير السياسي ومزيد من العمل على دعم الديمقراطية وتفعيل التعددية وإعطاء الحرية الكاملة للإعلام بكل وسائله والانترنت. وهو كان كاذبا عندما أعلن :« انه لا رئاسة لتونس مدى الحياة». لكل هذا لم تكن تنازلات بن علي في خطابه حقيقية، بل مجرد مناورة لمواجهة الواقع الجديد الذي فرضته أحداث الانتفاضة او الثورة الشعبية، فهو استمر في سياساته الخادعة لاحتواء الموقف ثم الانقلاب على كل ما تعهد به أمام شعبه في خطابه الاضطراري. علينا ان نتعلم من شخص قال عن نفسه انه أمضى 50 عامًا من عمره فى خدمة تونس في مختلف المواقع منها 23 رئيسًا للبلاد، إنه شخص مخادع، وعلينا ألا نصدقه، وهو من على شاكلته، فلا يحق لبن علي وأعوانه ان يحزن او يتألم على حياته العملية التي يقول انه قضاها في خدمة تونس. بل أمضاها في خدمة نفسه وزيادة أرصدته التي هربها الى الخارج. اعتقد انه من حق شعوبنا العربية ان تتحقق مطالبها السياسية والاقتصادية، وانه على الأنظمة الحاكمة ان تتعلم الدرس التونسي جيدا، فحالة «الخرس السياسي» لن تدوم طويلا. فالظروف تتشابه بين تونس وبعض الدول العربية بغض النظر عن المسميات، والانفجار السياسي والشعبي وارد في اي لحظة، وانفجار تونس ما هو سوى رسالة نذير للباقين، خاصة وان الضغط الشعبي التونسي كسر شوكة أقسى نظام عربي وهزم رأسه الأعلى. فما تم في هذا البلد العربي هو تعبير أكيد عن ان ميزان قوى جديدة في العالم العربي قد ظهر، ميزان قوي يميل لصالح الشعب والشارع. هذا الشارع الذي ضاق صدره من كثرة القيود التي تفرضها الأنظمة وتعيش بعيدا عن واقعه وآماله وطموحاته المشروعة. لقد بدأت الانتفاضة التونسية بتعاطف الشباب مع زميلهم الجامعي العاطل عن العمل محمد بوعزيزي الذي تعرض لقمع سلطات الشرطة في بلدته ومصادرتهم لكل رأس ماله من خضار وفاكهة على عربة خشبية بسيطة، فأشعل النار في نفسه احتجاجا على ظروفه وأحواله المعيشية الصعبة. ثم تطور الموقف بان تعاطف كل الشعب التونسي مع بوعزيزي الذي ضحى بحياته من اجل مستقبل بلاده وليكون رمزا لكل الشباب العربي الذي لا يجد عملا يتناسب مع مؤهلاته، فانفجرت ثورة مكافحة الفساد المطالبة بالإصلاحات الشاملة. لم يكن زين العابدين بن علي الذي احترف الكذب مستغلاً منصبه القديم كرجل امن، يدري ان نظامه غير شرعي رغم ان الجيش والشرطة يسبغان عليه الحماية الكافية. فالجيش تخلى عنه والأمن لم يعد يقف بجانبه. ومن هنا، جاء اعتراف بن علي متأخرا عندما قال لشعبه في خطابه الاخير «لقد فهمتكم!!».. فأين كان هذا الرجل طوال 23 عامًا عندما لم يكن باستطاعته ان يفهم ما يجري حوله.. فهو فهم متأخرا بعدما ضج شبعه من ظلمه وقمعه وكبته، وكانت النتيجة انه لن يعود إليه مجددا حتى ولو مكفونا، وهذا مصير الطغاة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا