النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

مصر التي أحبها.. الإسكندرية بوادر غير طيبة في عامنا الجديد

رابط مختصر
العدد 7943 السبت 8 يناير 2011 الموافق 4 صفر 1432هـ

أقولها بكل صراحة وألم، لكم حزنت وانفطر قلبي حزنًا على حادث كنيسة القديسين مار مرقس والأنبا بطرس بالإسكندرية، ولعل هناك أكثر من سبب جعلني اشعر بحزن شديد على هؤلاء الضحايا الذين لا ذنب لهم سوى أنهم اجتمعوا في رحاب كنيسة وهي المكان الذي يؤمهم عشية قدوم السنة الجديدة، وكلهم أمل في ان يكون عاما كله رخاء وسعادة وحب ووئام.. ولكن للأسف، فان قوى أخرى خفية أرادت لهؤلاء الضحايا وضعًا آخر غير الاحتفال والسعادة، فألقت في قلوبهم الرعب والأسى والحزن.. ليس لأنهم مسيحيون، بل لأنهم مواطنون، لأنه في عرف الإرهابيين، فالمواطن ليس بدينه، وإنما هو كل من يريد ان يحتفل. وليس مهماً شكل الاحتفال او مناسبته، ولكن على كل مواطن ان يبتعد عما يسمونه بعالم الرفاهية، فهو عالم تراه قوى الإرهاب والتطرف ليس قريبا من التعبد لله.. وللأسف فهم يعتقدون أنهم بأفعالهم المؤسفة هذه يقتربون من الله.. فهم يتناسون قول رسول الله: «من أذى ذميا فقد آذاني» فما بالهم وهم يؤذون رسول الله وأمة محمد كلها. وربما يتساءل المرء عما يكون مصيره إذا كان من زوار منطقة كنيسة القديسين ليلة الانفجار؟!! وأي ذنب اقترفه الذين ماتوا ضحية هذا العمل الوحشي الآثم الذي اقشعرت له الأبدان؟! الإجابة لا ذنب.. سوى أنهم مجموعة من المواطنين ذهبوا إلى مكان عبادتهم ليتقربوا من الله وليصلوا ابتهاجا بقدوم العام الجديد وليدعوا ان يكون عاما يحمل الخيرات مع أيامه.. أيامه التي بدأت بفاجعة ولا يعلم احد كيف ستنتهي بقية أيامه في ظل هذه البداية المؤلمة. لن نتحدث كثيرا عن أسباب الانفجار ومن يقف وراءه، لأننا مهما تباحثنا لن نصل إلى نتائج سريعة للرد على أسئلتنا، حتى أجهزة الأمن المصرية اعتقد أنها ستتروى كثيرا فى الكشف عن ان أية نتائج توصلت إليها لمعرفة الجناة ومن هي الجهة التي تمولهم وتمدهم بالأموال والأفكار الهدامة للإقدام على مثل هذه المذابح بحق مواطنين أبرياء. وما يهمنا هو الرسالة المقصودة من وراء هذا العمل، لان هذا هو الأهم. واعتقد ان أهم رسالة هي العبث بأمن مصر وزعزعة استقرارها، حتى لا تقوم لها قائمة وتظل في محن دائمة وتعود إلى المربع رقم واحد وهو البحث عن عدو وهمي غير مرئي يلعب من وراء ستار.. عدو لا يراه رجال الأمن، يدخل البلاد متخفيا ويخرج منها كما دخل متخفيا أيضا. ‏ولكننا إذا نظرنا إلى الحادثة، ربما نخرج منها بايجابيات مهمة، وهي ضرورة ان يتعامل المصريون بحذر وفطنة مع اي حادث يتعلق بالفتنة الطائفية. فالحادث بالتأكيد يرتبط بأسباب دينية داخلية ويؤكد أن جو الاحتقان الطائفي قد وصل مداه بما لا يعني أنه لم يعد هناك أي وقت يمكن تضييعه دون التعامل مع مسببات هذا الاحتقان وان سياسة المسكنات لم تعد السياسة المثلى للتعامل مع المسألة القبطية في مصر‏.‏ فمشكلة الاحتقان الطائفي بلغت الذروة في مصر في الآونة الأخيرة، وأصبح المناخ السائد غير متقبل للآخر، بما يجعل المجتمع منكشفا بشكل ينذر بسهولة اختراقه وبث بذور التوتر والفتنة بين عناصره المختلفة. ‏كما أنه مناخ يفرز بيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة التي تعبر عن نفسها بصور شتى وفي مجالات مختلفة‏.‏ وإذا كان من المؤكد أن هذا الحادث سيمر كما مر غيره‏، فإن تزايد مثل تلك الأحداث وتقاربها الزمني سيترك مزيدا من الجروح في جسد مصر الوطن والدولة‏، مثلما حدث في العراق. ولعل حادث كنيسة سيدة النجاة في بغداد في شهر اكتوبر الماضي ثم بقية الحوادث التي تعرض لها المسيحيون في مدن العراق المختلفة، يجعلنا نتخوف على الأوضاع العامة في مصر، فالمناخ شبه واحد والتقارب الزمني يجعلنا نزداد تخوفا من القادم. ففي مصر أيضا، حادث كنيسة العمرانية والتي تستمر تداعياته حتى الآن، وهو الحادث الذي انفجر فيه الإخوة المسيحيون أمام قوى الأمن وتشابك الطرفان في واقعة لم تشهدها تقريبا على مر تاريخها الحديث، ثم اضطرار سلطات الدولة إلى إطلاق سراح المقبوض عليهم تحت ضغط السلطات الكنسية او ما يتردد في مصر - تحت ضغوط أقباط المهجر - رغم ثبوت تورطهم في أحداث تخل بالأمن والاستقرار وقطع الطريق العام وتخريب ممتلكات مملوكة للدولة في صورة عربات عامة ومبان لأجهزة الأمن والشرطة. إذًا.. الاحتقان الطائفي الذي كان قد وصل إلى مدى بعيد لم يبلغه من قبل، ‏قد بدأ يمثل خطرا حقيقيا على مصر‏،‏ وان هذا الخطر لن يفرق بين مسلم ومسيحي‏،‏ بل يستهدف تمزيق مصر الوطن والمواطن، مصر التاريخ والحاضر، مصر السلطة والكيان، وذلك عبر فتنة لن تبقي ولن تذر‏.‏ ولعل من مسببات او محفزات هذا الاحتقان الطائفي، هو الخطاب السلفي الأصولي المتشدد، وهو خطاب تبثه الفضائيات وبقية وسائل الإعلام بكافة أنواعها ليل نهار.. وهو خطاب نجح في تحويل قضايا شكلية عادية جدا إلى موضوعات حوار يومية لدى البسطاء من الناس‏،‏ وبدأت تحدث نوعا من التفرقة الاجتماعية وتشق المجتمع المصري..‏ لينسى أفراد هذا المجتمع كيف عاشوا على مر العصور إخوانا متحابين متساوين في الحقوق والواجبات.‏ وبحكم قربي من مصر قلبًا وقالبًا، وبحكم زياراتي المتكررة لها، اقول ان الخطاب الديني لمن يكن من جانب المسلمين فقط، فهناك خطاب ديني متشدد أيضا من طرف المسيحيين، هذا الخطاب يحذر من تعميق عزلة مسيحيي مصر عن بقية المجتمع بحجة توفير الحماية أو الخدمات او الدفاع عن الحقوق، بما لا أراه امرًا واقعًا في مصر. نعم، هناك بعض الحساسيات، ولكنها لا تصل إلى عزل عنصري الأمة عن بعضها البعض، واعتقد ان نقطة التمييز التي يتحدث عنها بعض المسيحيين ليست موجودة في الواقع التجاري والاقتصادي المصري، وإن كانت موجودة على مستوى الوظائف العامة من تحديد نسب معينة من الترقيات فى الشرطة والجيش والوظائف العليا على حد سمعي من الأصدقاء. وأخيرا.. فإن مناخ الاحتقان وتزايد الاحتكاكات الطائفية يفتح أبوابا للتدخل الخارجي سيدفع ثمنها الإخوة في مصر جميعا، مسلميهم ومسيحييهم.. وسيكون الاستقرار هو الخاسر الأكبر إذا تكررت مثل هذه الأحداث.. فلا يمكن ان نصدق ان إنسانا سويا يقوم بمثل هذا العمل الدنيء، هذا العمل الإرهابي، فهو إنسان شرير، الإسلام منه بريء، وكلنا منه بريئون، فنحن بريئون من التطرف لان الإسلام حرم قتل النفس مهما كانت هذه النفس،.. ولعلي اختم بالتأكيد على ضرورة ان نعيش جميعا في رحاب أوطاننا الطاهرة على حب إخواننا في الدين وفي الوطن.. فالدين لله والوطن للجميع.. ومن هنا أتمنى من المولى عز وجل ان يكون عام 2011 عام محبة وسلام وان تكون فواجعنا في كنيستي سيدة النجاة ببغداد والقديسين بالإسكندرية آخر الأحزان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا