النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10814 السبت 17 نوفمبر 2018 الموافق 9 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:27AM
  • المغرب
    4:48AM
  • العشاء
    6:18AM

كتاب الايام

لا تبكي يا واشنطن على «ويكيليكس» المسكوب!!

رابط مختصر
العدد 7915 السبت 11 ديسمبر 2010 الموافق 5 محرم 1431هـ

لم تكن الولايات المتحدة في حاجة الى أزمة دبلوماسية جديدة مع دولة ما من دول العالم .. فما أكثر أزماتها الدبلوماسية مع هذه البلدان الصديقة كانت او المعادية. ليجيء إعصار تسريبات «ويكيليكس» ليهدم المعبد على رأس الدبلوماسية الأمريكية، ويصور أمريكا ليس على انها شيطان العالم، بل مجموعة من الشياطين تم دمجهم في صور الدبلوماسيين الأمريكيين المنتشرين فى دول العالم. فقد أظهرت الوثائق المسربة ان لدى هؤلاء الدبلوماسيين قوة جبارة فى إدارة شؤون وزارة الخارجية الأمريكية، وأنهم الأدوات التى ترسم بها الوزارة سياستها الخارجية للتعامل مع بقية دول المجتمع الدولي. وبدا جليا من التسريبات ان الخارجية الأمريكية تعتمد على تقارير دبلوماسيها في وضع سيناريو او تصور للتعامل مع قضية او أزمة ما، بغض النظر عما إذا كانت هذه التقارير ملفقة او تفتقر الى المصداقية وقوة التحليل. والأمر المؤكد ان كشف الوثائق على موقع ويكيليكس اكد للعالم خاصة عالم الدبلوماسيين، ان نظراءهم الأمريكيين لا يتسمون بالحيدة والعقلانية والشفافية، وان هذه السمات يتحدث عنها الأمريكيون فقط ولكنهم لا يطبقونها، والأمثلة كثيرة ولا داعي لحصرها لكثرتها. وربما يتحفظ البعض عما نشره الموقع من إحصاء البنى التحتية والمؤسسات الحساسة على مستوى العالم التي ترى أمريكا ان فقدانها او الاقتراب منها قد يضر بشكل كبير بالصحة العامة والأمن الاقتصادي والوطني للولايات المتحدة، لان هذا النشر قد يوفر بنكًا من الأهداف لجماعات معادية لأمريكا كالقاعدة. ولكن أين إجراءات الحفاظ على سرية المعلومات التي كان يجب على الولايات المتحدة عدم التفريط فيها. واعتقد انه على واشنطن عدم البكاء على اللبن المسكوب وادعاء ان نشر تلك اللائحة يمكن ان تساعد مجموعات «إرهابية» في الإضرار بالأمن والمصالح الأمريكية.. وحتى اذا تم توجيه اتهام لـ «ويكيليكس» بان تصرفه غير مسؤول او حتى إجرامياً لانه يمنح معلومات مجانية للإرهابيين، فالمسؤول الأول هنا هو الولايات المتحدة التي لم تحافظ على سرية المعلومات، التي تسبب نشرها حرجا بالغا لقادة دول وحكومات بما يؤدي الى الإضرار بالعلاقات بين الدول.. وعلى سبيل المثال، فكيف يكون اللقاء بين هذا القائد ورئيس الدولة المجاورة عندما يعلم الأخير رأي الأول فيه ووصفه له على انه «رأس الحية التي لابد من قطعها» ودعواته المتكررة بضربها لتأمين المنطقة من شروره!!. او هذا الزعيم الذي وصف رئيس دولة أجنبية بانه «قذر وليس خطير» وآخر بانه مثل «هتلر».. ثم ذلك الزعيم الذي قالت عنه التقارير الأمريكية المسربة، انه لم يتوقف خداعه لشعبه عند الأمور العسكرية الأمنية بل شمل عدم اكتراثه بتهريب الخمور إلى بلاده طالما كانت من نوع طيب، الأمر الذي قد يغضب شعبه المحافظ. أما على المستوى العربي، فلم تكشف الوثائق جديدا، إذ بينت قلق قادة المنطقة من المشروع النووي الإيراني، وهو قلق مشروع ومعروف في نفس الوقت.. كما لم تأت الوثائق بجديد عندما ابلغ القادة العرب كل على حدة ضيوفهم من المسؤولين الأمريكيين، موقفهم من إسرائيل ودورها فى تخريب عملية السلام في الشرق الأوسط. والمؤكد أيضا ان الدبلوماسية الأمريكية في موضع حرج بالغ ولن تستطيع حتى الآن التغلب على الإعصار الذي الحق أضرارا بالغة بالعلاقات بين واشنطن وغيرها من الدول خاصة الحليفة والصديقة. حتى لو قامت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية بمائة جولة عالمية لطمأنة الحلفاء، فهي لن تستطيع إعادة الثقة الى العلاقات. فالثقة تلاشت، لان شركاء الولايات المتحدة أصبحوا يخشون من كشف تفاصيل اي مؤتمر او جلسة مشتركة، وان تصبح علنية بما يضعهم محل حرج أمام أطراف دولية. واذا كانت الماكينة الدبلوماسية الأمريكية دشنت حملة للعمل باقصى سرعتها لتهدئة عاصفة او إعصار تسريبات «ويكيليكس»، فان السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس ارتأت وجهة نظر مخالفة لزملائها السفراء، وجاءت حملتها للإشادة بالدبلوماسيين الأمريكيين، وان دورهم لا غنى عنه من اجل الأمن القومي الأمريكي، وانهم يأدون عملهم بموهبة وصدق كبيرين.. فأي صدق تتحدث عنه سوزان رايس وهناك دبلوماسي أمريكي ركز كل تقاريره على ان رئيس الوزراء الكازاخستاني مثلا يحب الرقص، وآخر قال عنه انه يهوى ركوب الخيل.. فأي ضرر في ذلك على أمريكا؟!!. فمثل هذه التقارير تقترب من عالم الجاسوسية والمخابرات عندما يحاول الضابط المكلف بتجنيد عميل في هذه الدولة او تلك للعمل باجر لخدمة الأهداف الأمريكية. الأمثلة كثيرة ولا تعد ولا تحصى، فعدد الوثائق المسربة يصل الى نحو 250 الف وثيقة، اي تحتاج الى سنوات طويلة لتحليل مضمونها.. ولكن ثمة خطر حقيقي على على نشطاء جمعيات حقوق الإنسان التي طلبت من مؤسس «ويكيليكس» عدم نشر أسماء نشطائها، لانها تخشى على حياة نشطاء تحدثوا إلى دبلوماسيين أمريكيين في دول قمعية. فالكشف عن كميات ضخمة من البرقيات الدبلوماسية السرية الأمريكية، أثار حفيظة جماعات حقوق الإنسان، التي تخشى من أن تقوم «ويكيليكس» أو وكالات الأنباء بنشر أسماء النشطاء المحليين الذين تحدثوا مع دبلوماسيين أمريكيين في بلدان ذات حكومات قمعية، مما يعرض حياتهم إلى الخطر، وبالتالي التعرض لهم بالسجن أو العنف. اعتقد ان المشكلة التي ستواجه الضيوف الأمريكيين في اي دولة الآن سواء عربية او أجنبية، ان الزعماء وبقية المسؤولين سيترددون كثيرا في الحديث الجاد مع الأمريكيين الذين فشلوا في الحفاظ على أسرار الدولة. من الآن فصاعدا لن يعود في استطاعة اي مسؤول في اي بلد كان التحدث مع نظيره الأمريكي بصراحة وتلقائية. فعليه ان يتأكد أولا من ان ما سيقوله لن يؤدي الى ردود فعل سلبية جراء تسريب الحديث الى «ويكيليكس» او غيره من المواقع. ولن يكون هناك زعيم واحد قادرا على مصارحة الرئيس الأمريكي او حتى السفير الأمريكي برأيه الحقيقي، بل سيتحدث مع الضيوف الأمريكيين بتحفظ شديد.. وربما سيكون عليه التحدث بلغة الإشارات كي لا ينقل الأمريكي على لسانه كلاما قد يصل في نهاية المطاف الى جهة ليس مفروضا بها معرفة رأيه. سيظل إعصار تسريبات «ويكليكس» في أذهان العالم بعدما ترك الولايات المتحدة شبه عارية تواجه وحدها المسؤولية الأخلاقية عما تم الكشف عنه من وثائق سواء بالغة او ضعيفة الأهمية. واذا كان البعض قد ذكر ان هيلاري كلينتون قد استفادت من مؤتمر منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا والذي اشرنا اليه فى تضميد الجراح، فهذا قول عار من الحقيقة، فكيف ستصلح واشنطن مواقفها المحرجة مع رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني الذي وصفته بعض التقارير بانه شخص غير مسؤول ومعجب بنفسه وغير فاعل كزعيم أوروبي، والموقف نفسه مع رئيس الوزراء الفرنسي الذي وجد نفسه فجأة في نظر الأمريكيين انه شخص مستبد ويرهب مستشاريه ويكره العلم التركي ولا يعرف كيف يتعامل مع دولة كبيرة مثل السعودية. الإعصار لن ينتهي بسهولة، فالتسريبات تؤكد مدى عجز الدبلوماسية الأمريكية، وان هذه القوة العالمية لا تستطيع حتى التعامل مع الملف النووي الإيراني وتنتظر فقط التحليلات الإسرائيلية لمواجهة هذا الملف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا