النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

ما لنا وعلم الكلام الجديد ؟! (2)

رابط مختصر
العدد 7878 الخميس 4 نوفمبر 2010 الموافق 27 ذو القعدة 1431هـ

لا شك أن إغراق العقل الكلامي في بحر من الإشكاليات والأسئلة المختلفة والمتنوعة يوقظه من سباته وسكونه القاتل، ويبعث فيه الروح من جديد ليحلق بها في فضاء المعرفة بحثا جادا وشجاعا عن قدر أكبر من الحقيقة وتنقيبا دؤوبا صبورا في التراث الديني والإنساني عله يقف على شيء لم يكن قد وقف عليه من قبل، هذا لو كان العقل الكلامي حرا وموضوعيا، أما وهو سجين الأيديولوجيا وحبيس الموروث وعصبياته فسيكون عنده الغرق ممسكا بالأجوبة المهترئة أعظم «عزا» وأكبر «شرفا» من مصارحة الذات والاعتراف بالخلل. إننا إذا أردنا اليوم أن تدب الحياة في التفكير الكلامي من جديد فعلى رجال الدين وأصحاب الفكر والنخب المثقفة أن تساهم في إعادة ترسيم العلاقة مع المعتقد، وتصحيح وجهة بوصلة التفكير الكلامي وإخراجه من دوامة التأجيج العقائدي المذهبي إلى تأجيج عقائدي فلسفي، ذي طابع أعم وأشمل من حالة الدوران والتوقع حول الذات التي بلى مذاهب المسلمين أنفسهم بها حتى بلت وبلوا، وقد حمل لنا التاريخ القريب نماذج من القلق المعرفي البناء الذي استطاع أن يشق لعلم الكلام طريقا سالكا في بحر لجي لم يكن العلم هذا قد واجهته أمواج من النقد سلفا بهذه القوة والارتفاع. لقد كانت نهاية القرن الثامن عشر الميلادي فاتحة لسلسلة حلقات من «اكتشاف المختلف» الذي لم يأتي هذه المرة على النمط المعتاد معرفيا وثقافيا، بدأ بما صاحب نابليون في غزوه لمصر سنة 1798م حيث جلب معه المطبعة ورافقه جمع من الخبراء والأكاديميين فتحوا الأذهان على عوامل النهضة الأوروبية، وأعقب ذلك ما قام به محمد علي باشا سنة 1826م يوم بعث إلى فرنسا طلابا مصريين بغرض التأهيل العلمي، كانت لهم بعد عودتهم بصماتهم المدنية في بناء الدولة المصرية، وقد لحقهم الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي تعلم الفرنسية وترجم الفكر والعلوم للعربية وأدى دورا كبيرا في التعريف بالحضارة الغربية، مرورا بما وقف عليه المسلمون الأتراك في لقاءاتهم بالأوروبيين، إلى تعرف المسلمين الهنود على الغرب، وتعرف الدولة القاجارية في إيران على ما في أوروبا من حراك ثقافي وسياسي وحضاري، هذا وقد أخذ المستشرقون في كل تلك الفصول نصيب الأسد من زعزعة الطمأنينة العقائدية وإيراد التشكيك و»الشبهات». وإن الدور الذي لعبه المستشرقون وما سبقه وما لازمه من عوامل أخرى مثل بابا لورود أسئلة فكرية من نوع آخر اقتضت أن ينفتح علم الكلام على نفسه من جديد ويفتش - في أقل التقادير- عن مدى قدرته في الحفاظ على الذات، ومن ثم مدى قدرته على لعب دور فاعل على مستوى التبشير الحضاري، فضلا عن تبلور صورة حقيقية على الأرض تجسد المشروع الإسلامي الحضاري الشامل. وبالنظر إلى حركة الأحداث في التاريخ القريب يتضح كيف مارست ظاهرة صعود التيار الإسلامي ضغوطا على الحوزات والمعاهد الدينية لمأسسة علم الكلام وتحويله من جهد فردي إلى عمل منظومي يتجاوز مرحلة الوقوف على مسائل الاستشراق والمادية والماركسية وغيرها إلى مشاريع كبرى تولد من رحم التراث الإسلامي وتقدم رؤية واضحة لمشروع حضاري إسلامي متكامل، قادر على أن يتفاعل مع العالم كله ويتحاور مع حضاراته، فضلا عن قدرته على هضم مفهوم المواطنة ومفهوم التعددية الفكرية والسياسية داخل النسيج العربي والإسلامي نفسه وممارسته لها بسلاسة ومرونة فائقة تحفظ للإنسان استقلاليته وحريته. وأما تسمية علم الكلام بعلم الكلام الجديد فقد وقعت محلا للأخذ والرد والقبول والرفض، إذ أن متبحرا في علم الإلهيات بحجم آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي الذي بعثه الإمام الخميني برسالة التوحيد إلى الزعيم السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف، قد أبدى رفضه بهذه التسمية معتقدا بعدم وجود المبرر لهذه الثنائية التي توحي بالقطيعة بين الجديد والقديم، وذكر غيره من الرافضين للتسمية مبررات أخرى من قبيل أن أصحاب التسمية الجديدة قد خلطوا بين علم الكلام وبين فلسفة الدين، فما كان من مسائل فلسفة الدين ألحقوه بعلم الكلام واعتقدوا بضرورة تسميته بالجديد، ومن قبيل أن عدم طروء شيء على غرض علم الكلام ينفي التسمية الجديدة، فالغرض في العلمين واحد وحيث انتفى التمايز في الأغراض أنتفت الإثنينية. هذا وفي المقابل يطرح المدافعون دفوعاتهم بكل شفافية ويقولون إننا ما وجدنا وحدة في الغرض بين القديم والجديد إذ أن سمة القديم الدفاع عن الدين أو المذهب، بينما سمة الجديد البحث في أمر الدين أو المذهب وحقيقته بعد الفراغ من وجود موضوع ديني أو مذهبي، وكذلك يردون على مسألة الخلط بين علم الكلام وفلسفة الدين بأن فلسفة الدين كغيره من الفلسفات يقرأ الدين من الخارج دون الهدف في الوصول لنتائج تصب في مصلحة هذا الطرف أو ذاك، بينما يقوم علم الكلام الجديد بالبحث في الحقيقة الدينية، وهي دفوعات وجدت من يلاحظ عليها الصورية التي لا ترقى إلى المبرر الكافي في ثنائية التسمية. وللعلم فإن أول من استخدم هذه التسمية الجدلية العالم المسلم الهندي شبلي النعماني المتوفى سنة 1332هـ ، وللعلم كذلك فإن هناك مادة قائمة لوحدها تدرس اليوم في جامعة طهران باسم «علم الكلام الجديد» وقد وجدت أيام المهجر أن بحوث ومقالات علم الكلام من المواد المعرفية والثقافية المميزة التي تهتم الصحف والمجلات هناك بنشرها للقراء، وقد اقترحت قبل شهرين على رئيس تحرير إحدى الصحف البحرينية النشطة بتسليط الضوء على البعد الثقافي المرتبط بمسائل علم الكلام الجديد وترجمة أهم ما ينشر من هذا العلم في الساحة الثقافية الإسلامية لما للموضوع من أهمية تنويرية بحسب اعتقادي القاصر قد تحرك شيئا من المياه الراكدة وقد وعدني خيرا. ملاحظة: أعتذر من قرائي الكرام وأعلمهم بأني سوف أتوقف عن النشر إلى آخر شهر ديسمبر، فإلى لقاء قريب إن شاء الله تعالى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا