النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

نافذة معرفية على علم الكلام وأهميته الحضارية (1)

رابط مختصر
العدد 7871 الخميس 28 أكتوبر 2010 الموافق 20 ذو القعدة 1431هـ

لم يجد المسلمون الأوائل ضيرا في الانفتاح على الثقافات المختلفة وفكر الآخر بعد أن تشربوا مفاهيم الاسلام واعتنقوه مصدقين، وقد كان الفكر الانساني محل اهتمام عند الكثيرين منهم، ممن تشدهم المعرفة وتحرك فيهم رغبة الاستكشاف والاطلاع على ما عند الآخر من علوم ونتاجات معرفية، وقد لعبت الشجاعة العلمية دورها في صناعة هذا الاستعداد الحضاري الذي جعلها تقرأ الثقافات بلا خوف وقلق، رغم أن منها ما كان مخالفا مخالفة صريحة لمعارفها الدينية ، ومع ذلك تعنوا للاطلاع وذللوا العقبات والصعاب وعلى رأسها اللغة في سبيل قراءة ما عند الغيرلأنهم وبكل بساطة كانوا يؤمنون بآيات الله في الاختلاف ولم يسبب الاختلاف عندهم عقدة تصدهم عن مد جسور الثقافة والفكر والمعرفة. يقول الأستاذ أحمد أمين في كتاب ضحى الاسلام حين سلط الضوء على صورة الانفتاح الثقافي عند المسلمين: «هذه الثقافات التي ذكرنا من فارسية وهندية، ويونانية وعربية، ومن يهودية ونصرانية وإسلام، التقت كلها في العراق في عصرنا الذي نؤرخه. ولكن كل ثقافة في أول أمرها كانت تشق لنفسها جدولا خاصا بِها يمتاز بلونه وطعمه، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى تلاقت، وكونت نهرا عظيما تصب فيه جداول مختلفة الألوان والطعوم، مختلفة العناصر». ومن تلك المعارف والعلوم التي كانت بمثابة العمود الفقري للحراك الثقافي الاسلامي والذي دارت في فلكه المسائل على اختلاف مشاربها علم الكلام، ذلك العلم الذي يهتم بالمسائل العقائدية ويدلل عليها بالعقل والنقل ويدفع عنها «الشبهات» والنقوضات، وقد عرفه سعد الدين التفتازاني: بأنه العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية وقال عضد الدين الإيجي المتوفى سنة 756هـ : هو علمٌ يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه. وجاء في سبب تسميته بالكلام أن أكثر المباحث العقائدية نزاعا وجدلا في ذلك الزمان مسألة «كلام الله» وقيل أن سبب تسميته بالكلام لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، وأيا كان السبب فإن علم الكلام يؤدي وظائف رئيسية ثلاثة: أولها شرح وبيان القضايا الاعتقادية بحيث تستوفي عباراته ومصطلحاته تمام المعنى المراد. وثانيها إثبات تلك المعتقدات بإقامة البراهين والادلة العقلية والنقلية، واستخدام الحجج المختلفة وشتى أدوات الاثبات. وثالث تلك الوظائف التصدي للشبهات التي تطارد تلك العقائد في بعدها الاسلامي عموما والمذهبي خصوصا. وأما حكم الاهتمام بعلم الكلام فقد ذكر ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية موقف علماء الاسلام وقال: «الذي صرّح به أئمتنا أنه ‏يجب ‏على كل أحد وجوباً عينيّاً أن يعرف صحيح الاعتقاد من فاسده، ولا يشترط فيه علمه بقوانين ‏أهل ‏الكلام لأن المدار على الاعتقاد الجازم ولو بالتقليد على الأصح. وأما تعليم الحجج الكلامية ‏والقيام بها ‏للرد على المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها ‏على تعلم ما ‏يتعلق بها من علم الكلام أو آلاته فيجب عيناً على من تأهل لذلك تعلمه للرد على ‏المخالفين». وبالرجوع إلى عصر المسلمين الاوائل وظاهرة انفتاحهم على الثقافات المختلفة أجدني محتاجا للاستفادة مما ذكره الباحث الجزائري عز الدين جولي في قراءته لتلك الظاهرة حيث ذكر « دواع خمسة كانت وراء توسّع المسلمين في الاعتماد على المنهج الفلسفي في بيان أسس العقيدة الإسلامية والذود عنها: أولا: المقارنات التي قام بِها علماء ديانات أخرى دخلوا الإسلام كاليهود والنصارى وغيرهم، مقارنات بين دياناتهم الأولى والدين الجديد الذي اعتنقوه، فكان في ذلك جدل وكلام أغنى الساحة الكلامية. ثانيا: الإسلام دين حضاري، ومن مستلزمات ذلك أن تنفتح موضوعاته كلها على كافة الأسئلة المطروحة، مما يستدعي مناقشة المحكم والمتشابه من النصوص؛ فنشأ الجدل والحجاج الذي أسهم في صياغة علم الكلام. ثالثا: مِمَّن دخل في الإسلام أناس أعلنوا الشهادتين ولكنهم أضمروا الكفر، بدؤوا في التشكيك في تعاليم الدين من وحي نياتهم غير البريئة؛ فانبرى العلماء إلى الرد عليهم اعتمادا على المنطق والفلسفة. رابعا: لم يكتف العلماء المسلمون بالرد على هؤلاء الزنادقة فحسب، بل انتقلوا إلى دراسة المصادر التي يستقي منها هؤلاء أباطيلهم، فقرؤوها وترجموها وعلقوا عليها، ثُمَّ نقضوها علاوة على ذلك. كما فعل النظّام مع المنطق الأرسطي، والعلاَّف مع الفلسفة اليونانية. خامسا: تشبّع علماء الإسلام بقيم الدين الداعية إلى القراءة والتدبر والتفكر، والحاثة على الجدل وإعمال العقل؛ صونا لعقائد الإسلام من التبلبل، وقياما بالحجة على الخلق». والسؤال العريض هنا هل يا ترى كانوا هم أشجع منا وأكثر ثقة حتى ينفتحوا وننغلق ؟! إنه وبالنظر الفاحص في تلك الدواعي الخمسة لا سيما الثاني منها يتضح إلحاح الواقع العربي والاسلامي اليوم على ضرورة الانفتاح وبموضوعية على علم الكلام وعلم الكلام الجديد – وهذا ما سنتطرق إليه مفصلا في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى - والاستفادة من السلوك الحضاري الذي جسده الأوائل لنبني عليه سبقا عوض أن نتخلف عنه ونتقهقر، ولنشيد مهارات متقدمة في البحث والتنقيب والنقد والحوار واتباع الحجة والبرهان وتقليص الخطوط الحمر والخروج من المثالية وكسر أقفال التقديس المفرط والنزعة التجريدية المغالية لصالح الواقعية المبدئية، أملا في إعادة التموضع الحضاري ورغبة في تصنيف إسلامي أكثر ترقرقا من الموقع الباهت الذي نشغله اليوم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا