النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10818 الأربعاء 21 نوفمبر 2018 الموافق 13 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

ثقافة السلطة وسلطة الثقافة

رابط مختصر
العدد 9477 السبت 21 مارس 2015 الموافق 1جمادى الثاني 1436

في كتابه من نقد الحاضر إلى ابداع المستقبل ناقش المفكر محمود امين العالم موضوعاً على درجة كبيرة من الأهمية وهو ثقافة السلطة وسلطة الثقافة. وفيما يتصل بهذه العلاقة يصبح من المهم في نظره التأكيد على حقيقة وهي ان العلاقة بين الثقافة والسلطة علاقة اشكالية، ملتبسة، في اكثر من وجه، فهناك اولاً تعارض مبدئي بين الثقافة كثقافة والسلطة كسلطة فالثقافة – بشكل عام – هي رؤية انسانية كلية نقدية تجاوزية للواقع الآني الخاص السائد، على حين ان السلطة اقرب إلى ان تكون تجسيداً عملياً لرؤية مصلحية محدّدة، تسعى إلى تثبيت الواقع واعادة انتاجه وتسييد مشروعيتها فيه، بالممارسة الجزئية والآنية. وفي مقابل ذلك ثمة مسألة أخرى واضحة يؤكد عليها وهي ان لكل سلطة ثقافتها المعبرة عن هذه الرؤية وهذه المصلحة تسهم في اعادة انتاجها وتسييدها، إذ هي جهاز من اجهزتها الايديولوجية على حد التعبير المشهور للفيلسوف الفرنسي ألتوسير. وفي هذا الصدد يعتقد العالم ان لكل ثقافة سلطتها وفاعليتها التي تسعى بها إلى ان تسود، مهما كان مستواها وهكذا نجد تلاحماً بين الثقافة والسلطة من ناحية، كما نجد استقلالاً وتخالفاً بين «الثقافة - والسلطة» و»السلطة - والثقافة» من ناحية اخرى، وعلى اساس هذا الفهم للثقافة وهذه الرؤية يرى العالم ان هذه العلاقة الملتبسة المتلاحمة المتخالفة بين الثقافة والسلطة في تاريخ الثقافة العربية وفي تاريخ كل ثقافة انسانية أياً كان مستوى تطورها، وهو التباس ما اكثر ما توظفه السلطة لتمييع الخلاف المبدئي بين الثقافة والسلطة لحسابها. فإذا كان التراث العربي الاسلامي – كما يراه العالم – منقسماً بين ثقافة السلطة على تنوعها واختلافها، التي تتمثل في تراث أهل السنة والجماعة والحديث والتقاليد اللغوية والأدبية وهي محافظة في اغلبها، وثقافة معارضة للسلطة السائدة تتمثل في تراث الخوارج والشيعة وبعض أهل الكلام والمتصوفة والفلاسفة والأدباء والشعراء المجدّدين فان ما يراه ايضاً ان الصورة في العصر الراهن لا تختلف كثيراً في عمومها، اي لاتزال السلطة هي السائدة بتراثها الثقافي المحافظ الذي تتسيد معها وتتسيد به على تنوعه السلطة على الأوضاع في واقعنا العربي الراهن، بمعنى ان السلطة العربية لاتزال في قلب معركة الثقافة بل هي محورها ومع ذلك يوضح امر هام وهو انه من التبسيط والتسطيح ان نقف عند تصوّر العلاقة بين الثقافة والسلطة كأنما هما مجرد طرفين ضدّين يستبعد كل منهما الآخر، ومجرد كيانين متمايزين وان تشابها مظهراً من حيث ان لكل سلطة ثقافة، ولكل ثقافة سلطة فالأمر في رأيه اعمق واعقد من هذا التحديد الثنائي، وهو ان السلطة في علاقتها بالثقافة ليست محدودة بحدود السلطة السياسية كجهاز في قمة المجتمع، وانما تتمثل هذه السلطة في تجليات مختلفة متنوعة، معنوية ومادية، تتوزع وتنتشر في قلب المجتمع الواحد نفسه، فقد تتمثل هذه التجليات في انماط انتاج وعصبيات عشائرية او قبلية او – طائفية – او عادات واعراف وقيم او تراث او رؤى دينية أو أوضاع عرقية او طبقية او بيئية جغرافية، أو سياسية إلى غير ذلك. انها مستويات مختلفة من السلطة في قلب المجتمع ذات تأثيرات والتزامات متنوعة ومن هنا تتعقد وتتعدد العلاقة بين السلطة والثقافة في المجتمع الواحد او في الاطار القومي العام، دون ان يلغي هذا، الاستقطاب السلطوي في النهاية. ما المقصود بالمستقبل الثقافي؟ هل هو الاستباق إلى المستقبل بشكل مجرد بوضع برامج اجرائية تفصيلية محدّدة لتجديد وتطوير المستوى التعليمي والاعلامي والمعرفي عامة، فضلاً عن تشجيع الانتاج الادبي والفني والعلمي والتكنولوجي، وتوسيع آفاق الحوار المجتمعي والحريات والديمقراطية للتفكير والتعبير والاعتقاد والاجتهاد، وتنمية الفكر العلمي والنقدي العقلاني عامة وتيسير آفاق التفاعل الثقافي في مختلف منجزات العصر المعرفية والابداعية وخبراته الاجتماعية والانتاجية؟ هل هذه البرامج الاجرائية هي المقصود ان يتحقق بها المستقبل الثقافي المنشود؟ وهل تكفي هذه البرامج وحدها – على اهميتها وضرورتها – لتحقيق هذا المستقبل؟ هذه التساؤلات وغيرها طرحها العالم حول المستقبل الثقافي في الدول العربية، وللإجابة عليها يقول: لا مستقبل للأمة العربية الا بتغيير جذري في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولا سبيل إلى هذا التغيير الا عن طريق استراتيجية نهضوية شاملة للخروج من حالة التمزق القومي والتخلف الاجتماعي والتبعية الفكرية وسيادة الاقتصاد الريعي الطفيلي الكومبرادوري التابع، فضلاً عن التدني الانتاجي وتفاقم الفقر والبطالة جنباً إلى جنب سيادة الغني الفاحش، مع تصاعد التعصب السلفي الديني والطائفي والاتجاهات التقليدية واللاعقلانية. وعندما نتكلم عن مسؤولية المثقفين فهو يراها: ان مسؤولية المثقفين لم تعد تقتصر في عصرنا على التشخيص والتحليل والكشف والنقد، بل اصبحت مطالبة كذلك بتقديم بدائل موضوعية للقضايا المصيرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا