النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

الإخوان المسلمون ووثنية التنظيم

رابط مختصر
الجمعة 14 صفر 1431هـ العدد 7599

أثار اختيار الدكتور محمد بديع‏، ‏الأستاذ بكلية الطب البيطري‏، ‏بجامعة الزقازيق‏، ‏ليتولى منصب المرشد العام الثامن لجماعة الإخوان المسلمين‏، ‏موجة من التحليلات والتفسيرات السياسية‏، ‏أقرب ما تكون إلى التنبؤات أو التخمينات‏، ‏أو في أحسن الأحوال التمنيات السياسية‏، ‏منها إلى قراءة الواقع‏، ‏وهي موجة استندت إلى ‏قراءة مماثلة للأحداث التي سبقت تنصيبه‏، ‏وبدأت بمعارضة جميع أعضاء مكتب الإرشاد ـ وهو بمثابة المكتب السياسي في الأحزاب السياسية ـ لطلب المرشد العام السابق‏، ‏تصعيد د‏. ‏عصام العريان إلى عضويته‏، ‏ليحسم مهدي عاكف أمره‏، ‏ويقرر نتيجة لذلك أنه لا يرغب في الترشيح لمنصب المرشد لدورة ثانية‏، ‏ليعقب ذلك استفتاء جرى بالتمرير بين أعضاء مجلس شورى الجماعة‏، ‏وهو بمثابة اللجنة المركزية لها‏، ‏بين اختيارين‏:‏ الأول‏: ‏هو اختيار أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد الجديد فورا‏، ‏ليتسلم المرشد موقعه فور انتهاء مدة سلفه‏.‏ والثاني‏: ‏هو تأجيل هذه الخطوة إلى شهر يونيو المقبل‏، ‏موعد انتهاء ولاية مجلس الشورى الحالي‏، ‏ليتم أولا انتخاب أعضائه‏، ‏ثم يتولوا بعد ذلك انتخاب أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد‏، ‏على أن يواصل الاثنان عملهما‏، ‏إلى حين إجراء انتخابات الشوري‏.‏ وأسفر الاستفتاء عن الاختيار الأول‏، ‏على الرغم من طعن بعض قيادات الإخوان في لائحته وتشكيكهم في نزاهة إجراءاته‏، ‏والأهم من ذلك طعنهم في ديمقراطيته‏، ‏إذ لا يجوز ـ في رأيهم ـ أن يقوم باختيار القيادة العليا للجماعة ـ أي مكتب الإرشاد والمرشد ـ مجلس شوري توشك ولايته علي الانتهاء‏، ‏ولا يوجد ما يدل علي مشروعية تمثيله للجماعة‏.‏ وبشكل عام‏، ‏جاءت القرارات المتعددة لما جري داخل جماعة الإخوان المسلمين‏، ‏لتبلور ثلاث رؤي أساسية‏:‏ ‏** ‏الرؤية الأولى‏: ‏تعكس رأي قيادة الجماعة‏، ‏التي اعتبرت ما جرى أمرا طبيعيا‏، ‏ودليلا على ‏أن الإخوان جماعة تقوم على نظام مؤسسي‏، ‏تحكمها لوائح وإجراءات‏، ‏ولا تخضع لإرادة فرد‏، ‏حتى ‏لو كان المرشد العام‏، ‏وأنها ـ علي عكس ما يشيعه خصومها ـ تعتمد الأساليب الديمقراطية‏، ‏فتقبل بتنوع الآراء داخلها‏، ‏وتختار ـ قياداتها عبر الانتخاب ـ وفضلا عن ذلك فإنها تقدم نموذجا‏، ‏وصفته بأنه الأول من نوعه في الجماعات السياسية المصرية‏، ‏لتداول السلطة‏.‏ ‏** ‏الرؤية الثانية‏: ‏وهي تمثل رأي الذين يلدّون عادة في الخصومة مع الإخوان‏، ‏اعتبرت ما جري بداية انشقاق داخلي في الجماعة‏، ‏شبيه بالانشقاقات التي حدثت في غيرها من الأحزاب‏، ‏سوف تؤدي بالقطع إلى انهيار وشيك يقضي عليها‏، ‏أو على الأقل يضعف من شوكتها‏.‏ ‏** ‏الرؤية الثالثة‏: ‏وأصحابها يقفون في منزلة وسط بين الرؤيتين السابقتين‏، ‏وهي رؤية يتبناها طيف واسع من المحللين السياسيين‏، ‏تتباين مواقفهم من الإخوان المسلمين‏، ‏بين المتعاطفين معها والمنتقدين لها‏، ‏اعتبروا ما حدث صراعا بين المحافظين والإصلاحيين وبين الصقور والحمائم‏، ‏وبين القطبيين ـ نسبة للمرحوم سيد قطب ـ وأتباع الحسنين ـ البنا والهضيبي ـ حسم لصالح الصقور المحافظين‏، ‏باختيار المرشد العام الثامن من بين الذين انضموا للإخوان عبر بوابة التنظيم الذي قاده قطب‏، ‏وحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما‏، ‏بسبب ذلك‏.‏ وفي كل هذه الرؤى الثلاث أنصاف حقائق وأنصاف أوهام ونتائج تستخلص من مقدمات لا تقود إليها‏.‏ فليس صحيحا ـ في تقديري‏ -‏أن ما جري في جماعة الإخوان‏، ‏هو دليل على مؤسسيه‏، ‏أو أخذا بأساليب ديمقراطية‏، ‏ليس فقط لأن الخلاف في تطبيق اللائحة‏، ‏كشف عن عدم إحكام نصوصها‏، ‏سواء في مدي ما يتعلق بأحقية عصام العريان في التصعيد إلي المقعد الذي خلا في مكتب الإرشاد‏، ‏أم بمشروعية أن ينتخب مجلس الشوري ـ الذي انتهت ولايته ولم يجدد انتخابه منذ سنوات طويلة ـ قيادة الجماعة‏، ‏ولكن كذلك‏، ‏لأن ديمقراطية الإخوان الداخلية تقوم علي مبدأ طالب الولاية لا يولي‏، ‏وبالتالي فهي تعرف الانتخاب ـ بافتراض أن الأسلوب الذي اتبع كان انتخابا ـ ولكنها لا تعرف الترشيح وكل الذين انتخبوا ـ عبر الاستفتاء بالتمرير ـ لعضوية مكتب الإرشاد‏، ‏ولمنصب المرشد العام‏، ‏لم يرشحوا أنفسهم‏، ‏بل جرى عليه الانتخاب على أساس أن كل أعضاء مجلس الشورى مرشحون لعضوية المكتب‏، ‏وكل أعضاء المكتب مرشحون لمنصب المرشد‏، ‏وهو إجراء ينتقص من ديمقراطية أي عملية انتخابية‏، ‏إذ المفروض أن المرشح يتقدم للترشيح استنادا إلي ثقته بقدرته علي تحمل أعباء الموقع الذي يترشح له‏، ‏وإلي برنامج أو رؤية يتعهد أمام الناخبين بتنفيذها إذا منحوه ثقتهم‏، ‏ليمكنهم محاسبته علي أساسها فيما بعد‏.‏ وفضلا عن أن هذه الطريقة في إجراء الانتخابات دون ترشيح‏، ‏تحول العملية الانتخابية إلي اختيار بين أشخاص وليس رؤى أو برامج‏، ‏وعن أنها تنتهي إلى نتائج يصعب معها تحديد مركز الثقل في اتجاهات الناخبين‏، ‏فإنها تفتح الباب أمام المناورات التحتية‏، ‏التي تسمح بفوز أشخاص بعينهم‏، ‏لأسباب خفية‏.‏ ويخطئ الذين قرأوا ما حدث باعتباره بداية لانشقاق جماعة الإخوان المسلمين‏، ‏سوف يقود لانقسامهم ثم لانهيار جماعتهم‏، ‏لأنهم يتجاهلون الحقيقة التاريخية التي تقول‏، ‏إن الجماعة نشأت لتكون مجرد تنظيم ولا شيء آخر‏، ‏فهكذا أرادها مؤسسها حسن البنا‏,، ‏وهكذا سارت بعد رحيله‏، ‏أن تكون وعاء تنظيميا ينتظم داخله المسلمون‏، ‏حول الخطوط العامة لدينهم‏، ‏إلى أن يتقووا ويتمكنوا من إعادة إقامة دولة الخلافة الإسلامية‏، ‏أما طبيعة هذه الدولة‏، ‏وكيف تتعامل مع عالم مختلف عن العالم الذي نزلت فيه الرسالة وكيف تفهم الإسلام فهما يتواءم مع ما لحق الدنيا من تطورات خلال خمسة عشر قرنا‏، ‏فهذه أمور لا يجوز التفكير فيها إلا بعد إقامة هذه الدولة أولا‏، ‏لأن الاجتهاد فيها سوف يفتح باب الشقاق‏، ‏وكل اجتهاد بدعة‏، ‏وكل بدعة ضلالة‏، ‏وكل ضلالة جزاؤها الفصل من الجماعة‏!‏ ولأن وثنية التنظيم هي حجر الأساس في بناء الإخوان المسلمين‏، ‏وفي صمود هذا البنيان حتى الآن‏، ‏فإن توقع حدوث انشقاقات واسعة داخلهم‏، ‏بسبب اعتكاف عضو أو عضوين‏، ‏هو‏ يعد تمنيا أكثر منه نبوءة‏، ‏وهو لا يقل خطأ عن القول بأن الصراع داخلهم‏، ‏قد انتهى بسيطرة المحافظين‏، ‏وإقصاء الإصلاحيين‏، ‏لمجرد انتخاب محمد بديع‏، ‏الذي دخل الجماعة ضمن تنظيم سيد قطب‏، ‏أو خروج عبدالمنعم أبوالفتوح‏، ‏ومحمد حبيب من مكتب الإرشاد‏.‏ وفضلا عن أن الذين دخلوا الجماعة من أعضاء تنظيم سيد قطب‏، ‏دخلوها على أساس قبولهم للنقد الذي وجهته الجماعة لهذه الأفكار‏، ‏في كتاب دعاة لا قضاة بينما انصرف الذين تمسكوا بها‏، ‏إلى التنظيمات الجهادية‏، ‏مثل الجماعة الإسلامية والجهاد والقاعدة‏، ‏فإن أحدا لا يعرف لهؤلاء الذين يوصفون بالإصلاحيين عددا‏، ‏ولا يعرف من أسمائهم إلا واحد أو اثنان‏، ‏وهم لا يزيدون ـ طبقا لتقدير أبوالعلا ماضي‏، ‏ووكيل مؤسس حزب الوسط ـ علي عشرة‏، ‏والأهم من ذلك كله‏، ‏فإن أحدا لا يعرف لهم اجتهادا فقهيا عصريا‏، ‏يوائم بين أسس الإسلام وضرورات الدولة المدنية العصرية‏، ‏وربما كان الإصلاح الوحيد الذي تبنوه‏، ‏هو إدخال الكمبيوتر والموبايل والفيس بوك‏، ‏كأدوات لإصلاح التنظيم‏، ‏وليس لتشكيل رؤية فقهية له‏، ‏لتظل وثنية التنظيم‏، ‏هي أساس بناء وبقاء جماعة الإخوان المسلمين‏، ‏ولتبقى ‏كما نشأت تنظيما بلا رؤية‏، ‏وحشدا بلا عقل وعضلات بلا رأس‏.‏

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا