النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10817 الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 الموافق 12 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الصوم لله والمجالس الرمضانية للوطن

رابط مختصر
العدد 7801 الخميس 19 أغسطس 2010 الموافق 9 رمضان 1431هـ

في يوم من أيام الزمن الجميل وعلى عادته ذهب جدي لوالدتي «وهو بالمناسبة زوج أختي في نفس الوقت» الحاج حسين المؤذن إلى تل من تلال قرية عالي القديمة وصار يقلب نظره في الشمس ساعة الغروب ثم ضبط ساعته «العربية» وعاد للبيت وفي نيته الصعود للسطح لكي يؤذن، وكان صغار الصبية في حينا وبعض الأحياء القريبة من أهل قريتنا يقفون في الشارع المجاور لبيت جدي ينتظرون سماع صوته وحين تلمحه عيونهم وهو يهم بالصعود إلى السطح يقفون على هيئة المستعد للانطلاق والجري، فإذا قال «الله أكبر» اتجهوا لبيوتهم وهم يرددون بصوت عال «أذن أذن حاج حسين» ليشرع الأهالي بالإفطار بعد يوم شاق من الصيام، وبعد الإفطار والصلاة كنت أذهب برفقة جدي وخالي للمجلس القرآني المشترك الذي يضم بقية رجال العائلة وأطفالهم لنشارك كل ليلة في قراءة جزأين من القرآن الكريم. لقد كانت لغة الإيمان والرحمة والبراءة الاجتماعية تهيمن على كل الجو الرمضاني ولم يكن هنالك محل لتسييس العلاقات والمجالس الرمضانية، وما كنت أعلم أن السياسة إذا دخلت في «رمضان» أفسدته، إلى أن ذهبت إلى إيران وبالتحديد إلى مدينة قم المقدسة بهدف الدراسة، وحل علينا شهر رمضان المبارك وكنت حينها بعد لم أتزوج وصارت تأتينا دعوات الإفطار من بيوت «المشايخ» المتزوجين، عرفت حينها أن السياسة يمكن أن تصل يدها حتى إلى سفرة إفطار رمضان وتحدد من يصلح أن يدعى من العزاب على تلك السفرة ومن لا يصلح، ودخلت في قاموسي مفردات جديدة من وحي التيارات واختلاف وجهات النظر السياسية لم أكن أعرفها يوم كنت أعيش في كنف جدي الحاج حسين المؤذن. أتذكر أني ذات ليلة من ليالي مجلس رمضان أيام المهجر وبعد اشتداد عودي وتشربي بمفردات التسييس حملت حملة على تاجر من تجار قريتنا، اتهمته فيها بأنه يفرش المساجد ويصبغ جدرانها ثم يقصرها على الصلاة ويمنع إقامة الدروس الدينية فيها ويرفض لصق المجلات الحائطية على جدرانها، وكان كلامي مطولا حول العمل الديني في قرية عالي، استدعى ذلك الشرح أن أذكر بعض الأسماء النشطة في القرية، مما حدا بالوالد الشيخ عيسى أحمد قاسم حيث كان حاضرا أن يعلق مباشرة على فكرة تلك الندوة بأنها غير صالحة وأنه لا يشجع تكرارها خلال الشهر نظرا لكونها قد تعرض بعض المؤمنين لخطر المطاردة الأمنية والاعتقال، الأمر الذي استدعى إيقاف عرض سيرة العمل الديني في قرى البحرين آن ذاك. لقد علمتني الحياة أن شهر رمضان مدرسة روحية وتربوية يجب أن نتعلم فيها الحب ونصقل مواهبنا المعنوية من خلال فيوضاته المباركة، وإذا حصل أن اجتمعنا وتزاورنا فلتكن مجالسنا محلا لتنمية الحب والوعي والتكافل الأسري والاجتماعي «ورحمنة وبحرنة العلاقات» ولا يجوز بوجه من الوجوه أن يسيس شهر رمضان بمعناه السلبي، والأصح والأليق أن «ترمض» السياسة وتصوم ولو إلى حين عن شهوات تياراتها وفكرها الانقسامي على أسس مذهبية وطائفية ضيقة، وأن تلبس لباس الصفاء والنقاء بما يصب في صالح الوطن كل الوطن، ولتبحث السياسة في مصلحة المواطن البحريني ورفع همومه المعيشية بمعزل عن لون تياره وطائفته. لقد حدد جلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة موعدا للانتخابات القادمة، وعلى الإعلام والنخب البحرينية المثقفة خاصة أن تتحمل مسؤوليتها في رفع مستوى وعي الشارع السياسي بما يعطي للتجربة البرلمانية في مملكتنا الحبيبة فرصة أكبر للنضج واثبات الجدارة بالثقة المعطاة من قبل القيادة السياسية، وإذا رضينا لأنفسنا مرة أخرى أن نحيد الكفاءة ونعطي أصواتنا لحملة شعارات المناكفة السياسية، دون أدنى مراجعة وحساب فإننا هذه المرة سنثبت صحة النظرية التي تقول بأن المسافة بيننا نحن العرب وبين الديمقراطية الحقيقية والناجحة لا تقل عن المسافة بين الأرض وأبعد كوكب في مجموعتنا الشمسية. إن الصور التي تنشرها الصحف عن مجالسنا الرمضانية تعبر عن عراقة النسيج الاجتماعي البحريني وطيب الأصل وجمال الأخلاق والأعراف البحرينية، كما وتنبئ عن حراك محموم فرضته سخونة الجو السياسي الانتخابي في المملكة، فهل يكتب لهذه الصور لو حمضت بعد الانتخابات وبيضت أن تفرز صورة جميلة بجمال الابتسامات المتبادلة الرائجة هذه الأيام؟! وهل سيكون جدي لوالدتي الحاج حسين المؤذن العالي 88 عاما ووالدي السيد علي بن السيد أحمد الشهركاني 85 عاما أمدهما الله بوافر الصحة والعافية ومتعنا بطول بقائهما، هل سيكونان مطمئنين على مستقبل وطنهما ومستقبل أبنائهما وأحفادهما؟! وهل سيشهدان نقلة ديمقراطية نوعية تقر بها عيونهما؟! هذا هو الحلم والأمل والمسؤولية الملقاة على عاتق السياسيين فليكن صيامهم لله ولتكن مجالسهم الرمضانية لله والوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا