النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

هل هدفنا إيجـاد مواطن عصري؟

رابط مختصر
الخميس 13 صفر 1431هـ العدد 7598

لم يسبق لنا من قبل الإطلاع على خطة مكتوبة لإصلاح التعليم، غير أننا - كمواطنين ومراقبين - كثيرا ما تساءلنا: هل هدفنا من وراء إصلاح التعليم إيجاد مواطن عصري بكل ما تعنيه هذه العبارة من كلمة؟ وبمعنى آخر، هل حددنا نوعية المواطن الذي نريد بعد إتمامه المراحل التعليمية المختلفة، من حيث امتلاكه القدرة على التفكير النقدي، وقدرته على الابتكار ومواجهة المشكلات العملية والحياتية وحلها بأقل التكاليف أو الخسائر الممكنة، وقبوله الاختلافات الفكرية والثقافية والدينية، واعتماده لغة التساؤل والحوار والانفتاح على الآخر، وإقباله على النهل من المعارف الإنسانية دون مكابرة أو استعلاء على الثقافات الأخرى؟ فإذا لم تتوافر أجواء في مدارسنا وجامعاتنا تشجع التلامذة والطلبة على صراع الأفكار، وتدفعهم إلى إظهار روح المبادرة والعمل بروح الفريق الواحد، وتتوافر لهم الحريات وتعدد الخيارات وطرائق التفكير داخل الصفوف الدراسية، فلا يمكننا أن نقول إننا قمنا بإصلاح نظامنا التعليمي، فنظامنا التعليمي الحالي هو العائق الأكبر للتنمية التي ننشدها. والحال، أنه إذا ما أتينا إلى تفكيك عملية اصلاح التعليم التي نطمح إليها، فإن حجر الزاوية فيها هي نوعية المعلم الذي نريده في رياض أطفالنا ومدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا. ذلك أن العملية التعليمية برمتها التي يجري تخصيص الموازنات المالية الضخمة لها، ترتكز في نهاية المطاف على هذا الصانع الأساسي لهذه العملية، ونعني به المعلم. فهل نجح نظامنا التعليمي في اختياره للمعلم الصانع المبدع الكفؤ وعلى وجه الخصوص ذلك الذي يتولى مهنة التدريس في المراحل الابتدائية والأساسية من التعليم؟ نقول هذا لأنه لن يفيدنا كثيرا أن ندخل بعض التحديث على برامج التعليم ومناهجه، ولن يفيدنا كثيرا تدريس اللغة الانجليزية من الصف الأول الابتدائي، أو غيرها من مظاهر اصلاح التعليم - التي لا شك إنها مهمة وجوهرية - ما لم نولِ عناية خاصة وجوهرية بنوعية المعلم الذي يتولى القيام بالعملية التعليمية داخل الصفوف والذي يظل في احتكاك يومي مباشر مع التلاميذ والطلبة، فهو الموجه الأول لأبنائنا. ومن هنا تبرز أهمية أن تكون لدينا مقاييس دقيقة في اختيارنا للمعلمين الجدد من جهة، ومن جهة أخرى أن تكون لدينا خطط علمية مدروسة لإعادة تأهيل وتدريب المدرسين الذين يتولون حالياً أو مستقبلاً عملية تعليم أطفالنا وأبنائنا. هذه الخطط التي ستكون مجدية أكثر وستأتي بثمار أفضل لو استعين في رسمها بتجارب الأمم الناهضة في الشرق والغرب. وهي على حد علمي تجارب كثيرة وغزيرة وملهمة ومتاحة للجميع. وبعبارة أخرى، هناك دول كثيرة سبقتنا في وضع مقاييس ومواصفات محددة لاختيار المعلم، وهي مقاييس ومعايير أصبحت اليوم معروفة للمشتغلين والمهتمين بتطوير الأنظمة التعليمية وإصلاحها في العالم. فلا حاجة لنا لمعلم لا يستطيع التعرف بدقة على احتياجات تلامذته وميولهم عن طريق الحوار المباشر معهم. ولا حاجة لنا لمعلم لا يشجع تلامذته على البحث والاستقصاء والتساؤل والتأمل. ولا حاجة لنا لمعلم لا يستطيع أن ينمي لدى تلامذته ملكة التفكير الناقد والأخذ بالأساليب العلمية والطرائق العقلانية في حل المشكلات، ويحفزهم على الإبداع والابتكار، ويدربهم على أساليب التعلم التعاوني أو تعليم الأقران. والأهم مما تقدم كله هو أن نـتأكد من ألا يكون هذا المعلم متعصباً دينياً أو مذهبياً أو طائفياً أو عرقيا، ولا يمقت الحداثة والتمدن وثقافة العصر. وأبعد من ذلك ألا يقوم بتسييس أو أدلجة العملية التعليمية كما هو حاصل اليوم في معظم مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا. ومؤخرا حدثني أحد الأصدقاء ممن أثق في كلامهم ونقاء ضميرهم وحبهم للوطن، أن محاضرا في إحدى ورش العمل التي يقوم صندوق العمل في مملكة البحرين “تمكين” بتنظيمها، طلب من المشاركين في ورشة العمل تلك أن يدلي كل برأيه في مشكلة سياسية معقدة ليست لها علاقة إطلاقا سواء بأهداف “تمكين” أو موضوع الورشة التدريبية، كما أنها لا تخص البحرين من قريب أو بعيد، وهي أزمة الحوثيين في اليمن! فبالله عليكم كيف نسمح لمثل هؤلاء المتعصبين والمؤدلجين أن يتولوا مهمة الإشراف على تعليم وتدريب وتأهيل أبنائنا في زمنٍ يتطلب ممن يتصدى لمهنتي التعليم والتدريب أن يكون القدوة التي يحتذى بها لجهة تشربه من قيم العصر والتقدم، ولجهة امتلاكه سمات التفكير العملي الرصين وثقافة العصر الذي نعيشه، وعلوم الادارة والموارد البشرية الحديثة، واضعاً نصب عينيه تحقيق هدفي الازدهار والاستقرار للدولة والمجتمع على حدٍ سواء. وباختصار شديد، إن لم يكن المعلم أو المدرب تنويرياً ذا ثقافة موسوعية رصينة في شتى فروع العلم والمعرفة والثقافة والفنون، نابذاً للثقافة الظلامية التي تحركها الغرائز التحتية الكارهة للعصر، فإن هدفنا في إيجاد المواطن العصري سيكون بلا شك هدفاً بعيد المنال كيلا نقول مستحيلاً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا