النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الديمقراطية ليست انتخابات فقط !

رابط مختصر
العدد 7786 الاربعاء 4 أغسطس 2010 الموافق 23 شعبان 1431هـ

تشكل الانتخابات ركناً اساسياً من اركان الديمقراطية، فلا ديمقراطية كاملة من دون انتخابات حرة نزيهة، ينظمها قانون ديمقراطي وتشرف على اجرائها هيئات مستقلة بعيدة عن تأثير الحكومات او الجهات النافذة في الحياة السياسية في البلد المعني. فالدستور العراقي الذي اعدته وزارة المستعمرات البريطانية وشرّعه المجلس التأسيسي العراقي في العام 1925، كان من حيث الشكل دستوراً جيدا ، رغم الصلاحيات الكبيرة التي اعطاها للملك. ولكنه ظل حبراً على الورق، في ما يتعلق بإجراء انتخابات حرة نزيهة، في ظل السيطرة البريطانية ايام الانتداب، الذي استمر الى العام 1932، ومن ثم في ظل الحكومات التي اعقبت ذلك. إذ مسخت تلك الحكومات عملية الانتخابات، وحولتها الى عملية تعيين لغالبية اعضاء المجالس الانتخابية من قبل الوزارات التي تعاقبت على الحكم . ولذا لم يكمل اي من المجالس النيابية مدته القانونية، كما ينص الدستور، وهي اربع سنوات، إلا مجلس واحد من بين بضعة عشر مجلساً تشكلت ايام الحكم الملكي بين 1921و1958. وذلك ان كل وزارة من الوزارات الـ 59 ، تقريباً ، كانت تعمد الى حل البرلمان واجراء انتخابات شكلية في الغالب لتملأ مقاعد البرلمان بأنصارها. ولعل الشاهد الواضح على هذا الامر ما اعترف به نوري السعيد، وهو الذي الّف 14 وزارة من الوزارات الـ 59 وكان قطباً اساسياً الى جانب الوصي عبد الإله، في اواسط الاربعينات من القرن الماضي، يوم قال في مجلس النواب، ان كل اعضاء المجلس يحتلون مقاعدهم فيه بإرادة الحكومة. وتحدّى اي نائب لا يقر بذلك، ان يستقيل من عضوية المجلس، ويرشح ثانية دون رضا الحكومة، لنرى هل يستطيع الفوز ام لا؟! وهناك واقعة «طريفة» في هذا الخصوص، وهي ان جريدة الرائد البغدادية استطاعت في العام 1946 ان تحصل على القائمة التي اعدتها الحكومة للنواب الذين «سيفوزون « في الانتخابات ، ونشرتها قبل يوم من اجراء الانتخابات . وكانت نتيجة «الانتخابات» مطابقة للقائمة ، في ما عدا تغيير واحد بسيط وهو «فوز» احد انصار الحكومة في مدينة العمارة بدلاً من الرمادي او الفلوجة! وبلغ استهتار نوري السعيد حداً فاضحاً يوم اقدم على حل مجلس النواب في العام 1954، بعد عقد جلسة واحدة له فقط، رغم ان الاكثرية فيه كانت من انصاره. وذلك بسبب فوز الجبهة الوطنية الانتخابية، التي ضمت قوى المعارضة، بأحد عشر مقعداً في البرلمان الجديد، من بين مئة وخمسة وثلاثين مقعداً، هي مجموع مقاعد البرلمان. وعمد الى اصدار مراسيم غير دستورية الغى فيها الحياة الحزبية واجازات المئات من الصحف والمجلات والمئات من المنظمات والنقابات والجمعيات، واقدم على اسقاط الجنسية عن العديد من العراقيين من مختلف الانتماءات السياسية المعارضة، وهو امر يحرمه الدستور. الامر الذي سد سبل اي تطور سلمي للوضع باتجاه الديمقراطية. وسد انقلاب الثامن من شباط 1963 الموحى به من المخابرات الامريكية «السي آي أي» ، وحظي بدعم القوى الرجعية والحكومات والقوى القومية المعادية للديمقراطية، الطريق على ما صرح به عبد الكريم قاسم من انه يعتزم اجراء انتخابات المجلس الوطني في ذلك العام . واستمر الوضع دون اي شكل من اشكال الانتخابات لمجلس تشريعي حتى بداية الثمانينات يوم اقدم النظام الدكتاتوري على إجراء انتخابات لمجلس وطني اسوأ من برلمانات الحكم الملكي، بدرجة كبيرة جداً، ذلك انه اشترط ان يكون المرشح في الانتخابات ممن يلتزمون بـ «مبادىء الحزب والثورة» اي ان يكونوا بيادق بيد رئيس النظام، فضلاًعن محدودية وضآلة وشكلية صلاحيات المجلس. ولذا سمّى ابناء الشعب ذلك المجلس بـ « الاسطبل الوطني» تعبيراًعن ازدرائهم ورفضهم القاطع لمثل هذه المجالس المزيفة. ان الحكم الدكتاتوري، الذي استمر اربعين عاماً، قد شوّه الحياة السياسية ووعي المواطنين، الامر الذي ادى الى تغليب الانتماءات الضيقة الدينية والطائفية والعشائرية والقومية على الانتماء الوطني. وجرى تكريس هذا الامر السيئ من قبل الامريكان حتى قبل اقدامهم على احتلال العراق في العام 2003، عندما ركزوا، في تعاملهم مع قوى المعارضة على اعتبار الشعب العراقي سنة وشيعة واكراد بأمل ان يلغوا الانتماءات السياسية التي كانت تسود في الحركة الوطنية العراقية، وفي الواقع السياسي في البلاد، اي التيارت القومية والدمقراطية اليسارية منها والوسطية. وواصلوا هذا النهج بعد اسقـــاط النظـــام الدكتاتـــوري تناغمــاً مع إلحـاح واصرار احزاب وقوى طائفية. وكان من نتائج ذلك أن تكرس هذا الامر تحت مسمّى مكونات الشعب العراقي. وعندما جرت الانتخابات اكثر من مرة ظلت الغالبية الساحقة من الناخبين تصوّت ليس لبرامج سياسية وطنية واضحة، بل للانتماءات الضيقة الطائفية والدينية والقومية والمناطقية. الامر الذي شوّه الانتخابات وافرز مجالس نيابية ومجالس ادارة للمحافظات يغلب عليها الطابع الطائفي الضيـّق رغم إدعاءات الكتل التي فازت بالانتخابات بأنها «وطنية». ولعل حالة الاستعصاء التي تحكمت بالعملية السياسية العراقية وحالت دون تشكيل الحكومة، رغم مرور ما يزيد على الاربعة اشهر من اجراء الانتخابات، ولا يعرف على وجه الدقة متى ستنتهي، ورغم ما اثاره هذا الاستعصاء من تذمر واسع بين صفوف الشعب، خير دليل على ان الانتخابات وحدها ليست كافية لبناء نظام ديمقراطي برلماني اتحادي دستوري، بل ان هناك حاجة ماسة لخلق واشاعة ثقافة ديمقراطية تـُخرج المواطنين من اعتماد انتماءاتهم الضيقة الى رحاب الانتماء الوطني العام، والضغط على القوى السياسية التي تتصدر الساحة العراقية للتخلي عن مفهومها الخاطىء عن الديمقراطية، إذ تعتبرها مجرد آلية للوصول الى السلطة، وليست فلسفة متكاملة لا تقبل التجزئة لنظام دولة، بما في ذلك التداول السلمي للسلطة. والتخلي كذلك عن توجهاتها الضيقة والتمسك بمصالحها الانانية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب كله. وإلا سينتظرها الفشل في الانتخابات القادمة. ان هذا الواقع يبيـّن كم هي مهمة صعبة وثقيلة يتحملها التيار الديمقراطي الذي ابعد قسراً، بكل فصائله، بإجراءات وتعديلات غير دستورية لقانون الانتخابات، كما قضت المحكمة الاتحادية، عن ان يكون له اي تمثيل في المجلس النيابي الجديد، رغم جذوره العميقة في الارض العراقية ورغم ما يمتلكه من كفاءات سياسية وثقافية وفنية وادارية في جميع المجالات. انها مهمة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة، بحكم الايمان بقدرات التيار الديمقراطي اذا عـُبئت، هذه القدرات، بشكل صحيح وفعـّال، وبأن الشعب العراقي يمتلك من الحيوية ما يمكنه من ادراك القصور في العملية السياسية الحالية وضرورة الخلاص من هذا القصور، والسير نحو تعزيز الجهود لبناء العراق الديمقراطي الاتحادي التعددي على اسس متينة، تخلصه مما شاب العملية السياسية طيلة السنوات الماضية من اخطاء وخطايا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا