النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

مراحل جهادية.. في حياة د. النفيسي

رابط مختصر
العدد 7776 الاحد 25 يوليو 2010 الموافق 13 شعبان 1431هـ

إذا نظرنا للدكتور عبدالله النفيسي في مسيرته مع جماعات الاسلام السياسي وفكرها، والمحطات التي استبدل فيها القطارات ما بين عام 1962 وعام 2010 الذي نحن فيه، فلربما ميزنا منها هذه المراحل. الاولى 1962 – 1972 وهي سنوات الدراسة في بريطانيا حيث اكتشف «الاسلام السياسي» في مدينة مانشستر كما ذكرنا، وما لبث ان عاد الى الكويت ليسافر الى بيروت للدراسة في الجامعة الامريكية ما بين 1963 – 1967، حيث نشط هناك اسلامياً، وكتب في صحف ومجلات الاخوان المسلمين المعروفة «كالشهاب» في بيروت، و»حضارة الاسلام» في دمشق، و«المسلمون» التي كان يصدرها المركز الاسلامي في جنيف. وقد أصدر هو نفسه في هذه المرحلة نشرة طلابية اسلامية شعارها «الاسلام عقيدة ومنهج حياة» واسمها «البلاغ». هذا عن نشاطه في بيروت، حتى تخرجه في نفس عام النكسة سنة 1967، والتي فتحت خلال الاعوام اللاحقة المجال لصعود التيار الاسلامي وتراجع الاحزاب القومية كحزب البعث والجماعات الناصرية وحركة القوميين العرب. والآن، متى غادر د. النفيسي الى بريطانيا لنيل شهادة الدكتوراه، وما نوع نشاطه هناك، وما تحولاته الفكرية؟ هذه كلها اسئلة قد يجيب عنها د. النفيسي فيما بعد. بدأت المرحلة الثانية عام 1972 مع وصول د. النفيسي الى الكويت للعمل في الجامعة وربما امتدت حتى عامي 1979 او 1980. وصل د. النفيسي الى الكويت في مرحلة تراجع فيها نفوذ حركة القوميين، وتبدلت مفاهيمها. ورغم بقاء خصومة الحركة مع الاخوان المسلمين، إلا ان الفضاء السياسي في الكويت كان قد اتسع، والجماعات السياسية تنوعت، فوجد د. النفيسي مجالاً واسعاً لان يكتب وينشط. وشهدت هذه المرحلة تنامي التيار الاسلامي بشكل جارف، واجتذب العمل كل الشباب والمتعلمين الذين صدمتهم نكسة 5 يونيو 1967، كما اتسع نشاط التشيع السياسي مع تصاعد المعارضة الدينية للشاه وللنظام البعثي في العراق. ومع نجاح الثورة الايرانية عامي 1978 – 1979، والاطاحة بنظام الشاه واقفال القاعدة الامريكية في ايران وانفتاح النظام الثوري الاسلامي الجديد على القضية الفلسطينية ودعوة عرفات الى طهران وتوالي وفود «الاخوان المسلمين» و«حزب التحرير» وغيرهم للتهنئة بنجاح الثورة والحوار الفكري وتبادل الخبرات، بدت المنطقة العربية برمتها وكأنها على ابواب ثورة اسلامية ستكتسح مصر وبلاد الشام ودول الخليج وغيرها. وبالفعل تزايد في العراق نشاط حزب الدعوة، وتحرك الشيعة والسنة في دول الخليج والجزيرة وبخاصة حركة «جهيمان العتيبي» عام 1980 التي احتلت الحرم المكي على امتداد اسبوعين، وفي مصر تعاظم نشاط الاخوان وبقية الاسلاميين في الجامعات والحياة العامة حيث انتهى الامر باغتيال الرئيس السادات ثم اتسع نشاط الجماعات الارهابية سنوات بعد ذلك. وفي سوريا اصطدم الاخوان في «حماة» عام 1982 مع النظام، حيث تم قصف المدينة والاحياء الثائرة بالطيران. ولم يقتصر الامر على جماعات الاسلام السياسي، بل سرت في كل الدول العربية والاسلامية موجة هائلة من الأسلمة والالتزام بالهيئة الدينية للرجال والنساء، ومعاداة كل ما اعتبر غير اسلامي او «جاهلي». كانت هذه التحولات والموجات اقوى بكثير من ان تصمد لها بقايا الحركات القومية والثقافة الليبرالية ومحاولات الحداثة في العالم العربي. وكانت بالنسبة للدكتور النفيسي اكثر بكثير مما كان يأمله كإسلامي ملتزم، فانغمس كما يبدو في نعمائها. ويمكن اعتبار مجموعة مقالاته في مجلة «المجتمع» الكويتية، والتي جمعها فيما بعد في كتاب بعنوان «في السياسة الشرعية»، ونشرته «دار الدعوة» عام 1984، ابرز ثمار تفاعل د. النفيسي مع اجواء التشدد الديني اول ما انطلق، بعد نكسة حزيران، وكذلك ما اختمر في نفس الدكتور من مفاهيم وتجارب وقراءات في هذا المجال. وتهيمن على هذه المجموعة من المقالات نظرة مستقاة من آراء سلفية واخوانية متشددة مثل فتاوى الشيخ ابن تيمية والمفكر المعروف سيد قطب وغيرهما، اما افكار الكتاب فمعبر عنها بأسلوب مثالي ديني يوتوبي لا اثر فيه لشخص درس في لبنان ونال الدكتوراه من لندن.. ولا ادري ان كان د. النفيسي قد اعاد نشره فيما بعد. كان د. النفيسي بعد تخرجه عام 1972، يبحث لنفسه عن موقع سياسي ما في حياة الكويت الفكرية والاعلامية، وكانت خبرته الحركية قد نمت ضمن جماعة الاخوان، فاقترب منهم في الكويت، ولا اعلم الى أي مدى بلغت الثقة المتبادلة بين الطرفين. ولكن د. النفيسي انتقل في هذه المرحلة بشكل حاسم وواضح وعلني الى «الاسلام السياسي»، مستفيداً في الوقت نفسه من مؤهلاته الزعامية والفكرية قدر المستطاع. بدأت المرحلة الثالثة في مسيرة د. النفيسي ربما عام 1987 – لا احد يدري – وربما انتهت عام 1990. كانت هذه المرحلة تعج بالاحداث والتعقيدات. فالثورة الايرانية لم تتطور على نحو ايجابي وبخاصة بعد حادث اقتحام السفارة الامريكية واستقالة رئيس الوزراء المعتدل مهدي بازركان. وسممت الحرب العراقية الايرانية الاجواء السياسية وعمقت الهوة الطائفية داخل الحركة الاسلامية نفسها، وتحولت الحرب الافغانية وافرازاتها الى شبح مخيف داخل العالم العربي بعد ان تحولت كابل وقندهار الى مصنع للتطرف، وأثمر التسامح في مصر مع الجماعات الاسلامية الى تنامي توجهات العنف والارهاب، ودب الخلاف والصراع بين الاسلاميين عموماً نظرياً وسياسياً وعقائدياً. ولهذا اتسعت في التيار الاسلامي الدعوة الى «النقد الذاتي» ومحاولة اصلاح المسيرة وترتيب الصف، بعد ان بدا للجميع مخاطر التطرف الديني والصراع المذهبي والتعصب الحزبي. ونحن نلمس بعض هذا التحول في فكر د. النفيسي الذي اتجه نحو الاعتدال والواقعية، وان لم يدم طويلاً فيما يبدو، وبخاصة في مقالاته التي جمعها في كتاب «على صهوة الكلمة»، 1990، و»الحركة الاسلامية: ثغرات في الطريق»، وهي مقالات نشرها في «القبس» الكويتية خلال صيف عام 1989، ونشرها بعد التحرير في مارس 1992. ففي كتاب «على صهوة الكلمة»، الذي حوى مقالاته المنشورة في مجلة «المجتمع»، ابرز مجلات الاخوان المسلمين في العالم العربي، يدعو د. النفيسي في مقال له بعنوان «التكتيك الاسلامي المضاد»، الى التصدي «للحركات اللادينية وعلى رأسها الحركة الشيوعية العالمية». ثم يقول: «ينبغي الاعتراف بانه ثمة ثغرات خطيرة للغاية ضمن العمل الاسلامي.. وفي تصوري ان هذه الثغرات ستؤثر كثيراً وسلباً على مستقبل العمل الاسلامي في كل بلاد العالم، وسيكون تأثيرها جوهرياً». ونحن نجد د. النفيسي في مجموعة مقالاته بعنوان «في السياسة الشرعية»، التي تمثل أوج تشدده الحركي عام 1984، يؤكد «قيام الدولة الاسلامية بالقرآن والميزان والحديد»! ويقول مدافعاً عن استخدام القوة ضد معارضي الدعوة: «ان الدعوات، والدول التي تقوم عليها، لا تدوم ولا تسود عن طريق التمني والمناشدة الصاخبة للنزعات السلمية والاستسلامية والانهزامية، بل تقوم على الكتاب الذي يهدي والعدل الذي يقسط بين الناس واولاً وأخيراً الحديد الذي يحمي ويردع، يحمي حوزة الايمان وأهله ويردع كل المستكبرين والمنافقين، وان الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». (ص142) غير اننا نجد الدكتور النفيسي في وضع حواري مسالم بعد ذلك في مقالاته المشار إليها. بل يصل به الامر في معارضة اللجوء الى العنف، ربما ليس من الناحية المبدئية بل لخطره على مصالح الحركة الاسلامية، فينتقد بشدة انتفاضة الاخوان المسلمين السوريين في حماة عام 1982، ويلوم بمرارة «مكتب الارشاد العام «للإخوان المسلمين، المكون من تسعة اعضاء من الاخوان المصريين ضمنهم المرشد، وخمسة اعضاء آخرين من الكويت ولبنان والجزائر والاردن وسوريا. ثم من يصدق ان دكتور العلوم السياسي الذي يحلل الامور بهذه الدقة والشمول، ويستنكر هذا العنف والقتل والدماء، بعد ان كان هو نفسه من دعاة اليد الحديدية ضد معارضي التيار الاسلامي، يعود ثانية بعد عام 1990، فيصبح من دعاة التشدد والعنف، فيهلل عام 2001 لـ «غزوة مانهاتن» بنيويورك، ويدعو الى قتل 300 ألف، لا ثلاثين ألفا، في واشنطون!؟ اذا كانت «الصحوة الاسلامية» مركبة د. النفيسي الاولى خلال السبعينات والثمانينات، فإن الثورة الاعلامية وظهور الفضائيات كانت مركبته الثانية.. للانطلاق الخارجي. كان د. النفيسي وربما لايزال، من المعجبين بالدكتور السوداني واحد مؤسسي حركة الاخوان فيها واحد «المجددين» في الدعوة وفنون الحركة، د. حسن الترابي. ويبدو ان ما جمع الاثنين عدة امور من بينها التلاعب بالأفكار الاسلامية. هذه إذن المرحلة الرابعة والممتدة حتى اليوم، من حياة د. النفيسي ونشاطه الدعوي. حاول في المرحلة الاولى عام 1972 وما بعدها تحسس الدرب والتيارات. ثم التصق في الثانية بدعوة الاخوان المسلمين ومجلة المجتمع. ثم انتفض عليها فكرياً وانتقد قياداتها في الكويت ومصر ودول المنطقة، ثم تحول في المرحلة الرابعة، بعد عام 1990، الى مجاهد اعلامي محترف، مستفيداً من عصر الفضائيات والانترنت. وقد بدأ مسيرته في هذه المرحلة بصب جام غضبه على الولايات المتحدة منتقداً بمرارة اهدافها من تحرير الكويت!! ثم انتقل الى التهجم على الدول الخليجية والعربية، ثم انتقل الى الاشادة بكل جماعة عنيفة متطرفة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة وعملية 11 سبتمبر 2001 في نيويورك، ولم يكتف بذلك بل راح يقترح بعض الافكار والتحسينات على مؤسسة القتل والدمار «الجهادية»، بما يجعلها اشد فتكاً بضحاياها وأقل رحمة. وهكذا، يقول د. النفيسي ما يشاء، مرتاحاً منعماً مرفهاً في حياته، فيما يدفع العرب والمسلمون، الطلاب والمرضى والمهاجرون والمسافرون لأي غرض الى الولايات المتحدة واوروبا وربما في كل مكان، فاتورة هذه الافكار الجهادية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا