النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10757 الجمعة 21 سبتمبر 2018 الموافق 11 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    7:09PM

كتاب الايام

دموع إسلامية في هاييتي

رابط مختصر
الثلاثاء 11 صفر 1431هـ العدد 7596

أكثر من 75 ألف إنسان التهمهم زلزال هاييتي، وعشرات الألوف استيقظوا صباحاً ليجدوا أنفسهم يسكنون العراء ويستظلون بالدمار. غايتهم أن يبلّوا ريقهم بقطرة ماء تمدّ أعمارهم ساعات أخرى. ولا من صوت غير أصوات الثكالى الممتزج ببكاء الأطفال وأنين الجرحى الذين ينتظرون دورهم في العلاج في المستشفيات المهدّمة. كلّ هذه الصور المؤلمة شاهدها البحرينيون ومسؤولو الجمعيات الخيرية الإسلامية وكأنهم يشاهدون فيلماً من أفلام الرعب على قناة إم بي سي أكشن، غير أنهم لم يحرّكوا ساكناً. أتمنّى أن أكون مخطئاً، وأتمنى أن تكون متابعتي للإعلانات قاصرة، لأني لففت بالشوارع وتصفحت الصحف وتابعت التلفزيون فلم أجد ربع إعلان من جمعياتنا الخيرية الإسلامية لإغاثة المتضررين من زلزال هاييتي. وما كان هناك سوى التبرّع السخي بمليون دولار من الحكومة. حتى المساجد التي كانت تتلو دعاء القنوت وسط الصلوات لنصرة “إخواننا المجاهدين” في أفغانستان والصومال والشيشان وألبانيا والبوسنة والهرسك وكشمير والصين وبورما، لم تقطع صلاتها للدعاء لرفع الضُّرِّ عن متضرري زلزال هاييتي وأغلبهم من الأطفال والعجائز. فهل التبرّع بالأموال وإيصال المساعدات في هذه الجمعيات الخيرية الإسلامية مقتصر على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها حتى لو كانوا أقل تضرّراً من غيرهم؟ وهل المشاعر لا تتحرّك والعواطف لا تتأجج والصور المؤلمة لا تقضّ المضاجع إلا إذا كانت صوراً لمسلمين؟ في منتصف تسعينيات القرن الماضي تعرّض مسلمو ألبانيا إلى الاضطهاد، فهبّت إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية مشكورة ونظمت حملة لجمع التبرّعات عبر إعلانات ضخمة وصناديق خاصة وأناشيد مؤثّرة – وهذا ما يستحقّون عليه الشكر طبعاً – وقام وفد من هذه الجمعية بزيارة ألبانيا وإيصال المساعدات إلى المسلمين هناك. واستمراراً لحملة جمع التبرعات قام الوفد بعد رجوعه إلى البحرين بتنظيم لقاء مفتوح لاستعراض الصور التي تبيّن الحالة المزرية للمسلمين في ألبانيا نتيجة الاضطهاد والحرب، ولقد كانت الصور بالغة الإيلام. كثير من الحضور لم يسألوا عن حال الأطفال هناك وكيف يتلقون تعليمهم في هذه الظروف الصعبة. أو ما هي خطط إيواء المشرّدين. أو عن موسم الشتاء الذي كان يطرق الأبواب وما هي احتياجات العوائل هناك لتجنّب حدوث كارثة إنسانية. بل سألوا عمّا إذا كانت النساء هناك محجّبات أم لا. وبعد أن تردّد السؤال أكثر من مرّة ردّ مسؤول الوفد: “هل تريدونني أن أحلف لكم؟ إنّهم محجبات فعلاً”. وفي اعتقادي أنّ إجابة مسؤول الوفد لو لم تكن كذلك لفقد أغلب التبرّعات، لأنّ التبرّعات – في عرف أولئك المتبرّعين – يجب أن تكون للمسلمين، والحجاب دليل الإسلام. لقد ترسّخ في أذهان أغلب البحرينيين أنّ التبرّعات يجب أن تذهب إلى المسلمين دون سواهم، وأنّ الله لن يثيب المتبرّع إذا تبرّع للطفل المبتورة قدماه أو العجوز التي تهدّم بيتها أو المرأة الضريرة التي فقدت أبناءها ما لم يكونوا على ملّة الإسلام. وفي الجهة المقابلة تخرج من الدول الأوروبية وأمريكا وكندا وأستراليا واليابان عشرات المظاهرات للاحتجاج على تجاوزات الجنود الأمريكيين والبريطانيين في العراق، وعلى الجبروت الإسرائيلي والحصار المفروض على غزّة. ولقد شنّ الغربيون حملة شعواء على الحكومة الأمريكية لإغلاق معتقل غوانتنامو وللتحقيق في جرائم التعذيب في سجن أبو غريب. حتى راشيل كوري التي وقفت أمام الدبابة الإسرائيلية وقدّمت روحها الطاهرة ثمناً للفت نظر العالم تجاه ما يحدث للفلسطينيين من هدم للبيوت ومن تشريد لم تكن مسلمة. فهل من المعقول أن يقف لنصرة قضايا المسلمين أصحاب الملل الأخرى؟ بينما نحن الداعين إلى عبادة الإله الرحمن الرحيم المقسط العادل البرّ لا نقف مع غير المسلمين من أصحاب القضايا العادلة وأرباب الاحتياج الطارئ؟ وأنا بهذا المقال لا أقصد التقليل من الجهد الكبير الذي تبذله الجمعيات الخيرية الإسلامية في إغاثة المنكوبين وتوفير الاحتياجات للمحتاجين، فكم هناك من ألسن تلهج بالدعاء لهم في البحرين وخارج البحربن، وهم لا يستحقّون غير الثناء على ما يبذلونه من عطاء. غير أنّ عليهم وعلى خطباء الجوامع ومشايخ الدين والكتّاب والمحاضرين مسؤولية في تغيير ثقافة المجتمع لتصبح أكثر انفتاحاً على قضايا الآخرين وأكثر استشعاراً بألمهم. فلم يعد هناك ألم إسلامي وألم غير إسلامي، وجرح إسلامي نازف وجرح غير إسلامي. فالألم واحد والجرح واحد. ونحن المسلمين ينبغي أن نكون أكثر المجتمعات إحساساً بألم الآخرين وأكثر مداواة لجروحهم، إذا كنّا فعلاً خير أمّة أُخرجت للناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا