النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الطريق إلى تسريع وتيرة الإصلاح الديني (7)

رابط مختصر
العدد 7766 الخميس 15 يوليو 2010 الموافق 3 شعبان 1431هـ

بات من المؤكد الحاجة البحرينية لملتقى دائم في عملية حوارية تتجاوز امتلاك الحقيقة الدينية والوطنية وتبحث بكل شفافية في مسائلها المتشعبة، وقد يتصدر الاختلاف في إثبات وجود ما يغني عن ذلك كله أو الذهاب بعيدا في إثبات الحاجة نفسها، وهذا الاختلاف وحده دليل على الاشتراك في مستوى مفقود يتطلب جهدا يساويه. وإن اعتقاد طرف بعينه أحقيته المطلقة في إثبات الحاجة ونفيها، والحكم على المسائل كلها وبلا استثناء، من غير أدنى شرعية للرأي الذي لا ينضوي تحت عباءته لهو المشكل نفسه الذي يضاعف الحاجة لتلك الملتقيات الثقافية والفكرية، وإذا رضينا للسجال أن يستمر ضمن منابره وأطره الإعلامية المتاحة لكل طرف ثقافي، ودون اشتراطه بعناوين جامعة، فإن ما يعنينا فعلا العثور على الصيغة والشفرة التي تسرع من وتيرة الإصلاح الديني، ويعنينا أيضا تبلور معالم المشروع الثقافي المنتج في هذه المسألة الضرورية. فكيف الطريق إليه؟ 1- تبني مقولات المنهج عن الانشغال بالفروع، وهي قضية في غاية الأهمية نظرا لقدرتها على لملمة الجهود في المسار المنتج ثقافيا عوض استهلاكه في مطارحات عديمة الجدوى أو في حكم العدم، ولنا في سيرة المجددين عبرة قيمة، فمقولة مارتن لوثر (1483-1546) بأن النص الوارد في الإنجيل هو أعلى من الكنيسة، لا يمكن أن نعدها وجبة من الوجبات السريعة (fast food) لأنها وبكل وضوح لم تعبأ بالتفاصيل والفروع، بل أمسكت بالعمود الفقري لذلك الكيان الديني الضخم الذي ابتنى أوروبيا في عصر الظلمة على محاربة العقل والعلم وبيع صكوك الغفران، وبذلك تحدى مارتن احتكار الكنيسة لحق التفسير الديني، الأمر الذي اضطر الكنيسة الكاثوليكية لإجراء تعديلات تمنع الانتشار المتنامي للبروتستانتية. وفي السياق ذاته تحضرنا صورة عدم الفصل بين ما اجمع عليه الكثيرون في الخطاب المتنور للسيد محمد حسين فضل الله وبين «مقولة المنهج» التي انطلق منها فكر الرجل، وهي «الالتزام ببشرية التراث الإسلامي ما بعد النص»، وهما مثالان وإن كانا مختلفين، كل بحسبه وبحجم موقعه والبيئة الدينية والثقافية التي تحيط به، إلا أنهما يلتقيان في البحث عن التغيير الايجابي من منطلق مقولات المنهج. إن بروز رجالات حريصة على تبليغ الرسالة من خارج قلاع خطاب الإسلام السياسي عاد بمقدوره أن يترك أثرا عظيما في حركة إحياء الفكر والاستنهاض، وتسريع وتيرة الإصلاح الديني، شريطة أن تأخذ بمقولات المنهج وتحركها في أطرها العلمية والثقافية. وإن مسألة اصطدام مشاريع التجديد في أروقة المذاهب الإسلامية بقضية قدسية فهم السلف، وقراءة السابقين للنص، وما إذا كان المطلوب في دعوات الإصلاح فعلا تجديد فهم الدين أو تجديد فهم التاريخ؟! مسألة مقدور عليها مدرسيا وثقافيا، نظرا لكون النص قد عرف بأنه كائن متعدد الزوايا، منه ما يتلمسه معاصروه والأقرب إليه زمانا، ومنه مالا يتلمسه إلا من تأخر، كونه أكثر إحاطة وشمولية، وحق الاثنين علميا أن لا يطغى أحدهما على الآخر. 2- تجاوز عقدة التسييس والمؤامرة، فإن تدوين حركة الفكر في سجل القضايا السياسية وتهديد مكائد الآخر، وانحناء ظهر الحقائق الثقافية لتمرير أجندة أطراف الصراع السياسي، لا يبقي أدنى محاولة تنويرية مستقرة في مسارها، دون أن يفرض عليها انحرافا لليمين أو الشمال، وفي ظل هذه العقدة، أو قل المبالغة في بسط يدها لتطال «الأكو وما كو» يصعب جدا التفكير بموضوعية، بل يستعصي إنصاف ما كان إيجابيا ليتاح للنقد ممارسة دوره في التخلص من النقاط السوداء، وهذا الأمر بحد ذاته أضحى يستعطف السياسيين أن يتركوه لحاله ساعة ينظم فيها قضاياه، وفي الواقع لن يستطيع ذلك ما لم يتوفر مناخ ثقافي خالص، بريء من كوادر صنمية الرجال، وصنمية الأحزاب السياسية. إن الجرعة الزائدة من تسييس الفكر والقلق المفرط من المؤامرة وفوبيا الآخر فوت علينا نحن المسلمين أبجديات التلاقح الثقافي، وجعلنا أنفسنا في عزلة، ومنأى عن ابستمولوجيا المدارس الفكرية والفلسفية والمذاهب الاجتماعية والنظريات الاقتصادية، لنقبع في تعاريف مجتزءة ومفاهيم مبتسرة، تفرز صورا مشوهة للأشياء من حولنا، وتنتج عندنا نقدا لا يقل تشويشا عن تشويش الصورة المعرفية نفسها. إننا لا ننكر أصل المؤامرة بحال من الأحوال لكننا نرفض تطبيق منطق المؤامرة في كل عملية فكر وتفكير، لأن النتيجة التلقائية لهذا الحجم من التسييس هو الانسداد الثقافي والفكري الذي هو أشد على العاقل من الانسداد التنفسي، فارحمونا يرحمكم الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا