النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

بستان الكرز

رابط مختصر
الخميس 21 محرم 1431هـ العدد 7577

اعتادت سيدة ثرية على العيش في حياة مترفة وناعمة. وعاشت حياتها مع زوجها في بيت كبير يزدحم بأثاث فاخر ثمين، وكان يحيط بالبيت حديقة جميلة وشاسعة ترتفع فيها الأشجار الكبيرة. لكن حياة هذه السيدة الناعمة لم تدم طويلاً. فقد انفق زوجها الكثير من المال في المظاهر وأسرف حتى اضطر في سنواته الأخيرة إلى الاستدانة لتسديد ديون هائلة تراكمت عليه حتى أرهقت قلبه فودع الحياة. وراحت الأرملة تحاول التعويض والاستمرار في نفس مستوى الحياة الناعمة، وتقع في غرام رجل فتنفق عليه كل ما تبقى من أملاك الأسرة وتترك بيتها العتيق لكنه يهجرها من أجل امرأة أخرى. وبسبب هذه الخيانة ترجع إلى بيتها القديم الذي عاشت فيه صباها وشبابها لمجرد الشعور بالأمان. ولكنها ما إن بدأت تستقر في بيتها العريق وتغالب آلام الغدر والخيانة حتى اكتشفت أن كل أملاكها قد تم الحجر عليها خلال غيبتها الطويلة وأنها سوف تباع بالمزاد العلني خلال وقت قريب لسداد الديون. ويأتي إليها أحد التجار وينصحها أن تؤجر البيت والحديقة لتستطيع إنقاذ بقية أملاكها من الضياع، ولكن السيدة الأرستقراطية التي عاشت طوال عمرها في العز والنعومة ترفض ذلك بشدة. ولا ترفض ذلك فقط بل وتكابر أيضاً وتذهب بعيداً وتقرر أن تقيم حفلاً لاستقبال ضيوفها في نفس اليوم الذي سيجري فيه بيع أملاكها بالمزاد. وفي نفس الوقت يحاول زوجها الخائن أن يرجع إليها طالباً الصفح ولكنها ترفض أيضاً. وبينما تستعد الأرملة الناعمة بعد انتهاء الحفلة لإخلاء البيت والحديقة والعودة إلى مهجرها، تفاجأ بأن المالك الجديد للبيت هو نفس التاجر السابق، وكان رجاؤها الأخير للمالك الجديد هو إلا يبدأ قطع أشجار الحديقة المحيطة بالبيت لكي يقيم مكانها فيلات جديدة إلا بعد أن تغادر البيت والحديقة والمدينة كلها. ويحترم الرجل مشاعر المرأة فيأتي بمعدات الهدم والقطع إلى الحديقة لكنه يأمر العمال بألا يبدأوا عملهم حتى تغادر السيدة بيتها. وحين تحين لحظة الرحيل تتأمل الأرملة البيت والحديقة وتتأوه في حسرة ثم تعانق أخاها ويبكيان معا بكاء مكتوماً خشية أن يسمعهما أحد، وتتلفت الأرملة حولها وتقول: آه يا بستاني العزيز، آه يا حياتي الماضية ويا شبابي وسعادتي.. وداعاً لكم جميعاً.. وداعاً يا كل الأشياء الجميلة! ثم تركب العربة في طريقها إلى المهجر البعيد. بعدها يسمع في المكان المهجور صوتاً مثل أوتار الكمان حين تتقطع واحداً بعد الآخر، ويخفت الصوت تدريجياً إلى أن يتوقف فلا يسمع بعد ذلك إلا صوت المعاول وهي تنهال على جذوع الأشجار العتيقة! وتذكرت أحداث هذه الحكاية الجميلة التي روتها مسرحية الكاتب الروسي المشهور أنطوان تشيخوف التي كانت بعنوان «بستان الكرز» تذكرت هذه المسرحية وأنا أرى اليوم مئات من البشر الذي يرفضون التغيرات التي تحدث لهم ويستنكرون كل التبادلات التي قد تطرأ على حياتهم وواقعهم وحتى على أوضاعهم المادية والمعنوية، فيقاومون هذه التغيرات برفض لمجرد الرفض، ويعجزون بالمقابل عن القيام بأي فعل أو عمل للنجاة من المخاطر التي ستقضي عليهم. بل إن «بستان الكرز» يجعلنا ندرك أن كل شيء يتغير ولا أحد يسلم من الخطر والتغيير، لكن هناك من يفكر بالنجاة ويخطط للتأقلم والقبول بالواقع الجديد وهناك من لا يفكر ولا يرفض إلا بواقعه حتى لو كلفه ذلك حياته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا