النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10758 السبت 22 سبتمبر 2018 الموافق 12 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

رحيل السيد فضل الله ليس خسارة للإصلاح الديني (6)

رابط مختصر
العدد 7759 الخميس 8 يوليو 2010 الموافق 25 رجب 1431هـ

لو كان المرجع الديني الكبير (ره) يقرأ نصوص الإسلام وتاريخه العريض والمتشعب بالصيغة التي يقرأ بها أصحاب «العقل المستريح» لما تعرض في حياته لتهمة الانحراف الفكري و«لوثة» الانبهار الحضاري التي ادعوا بأنها أثرت على منهجه الفقهي في الاستنباط، ولو رضي لخطابه الديني وفتواه الشرعية أن تكون مشروع مذهب بدل أن تكون مشروع إسلام حضاري، لما حكم عليه بالضلال، ولو كانت همومه وقضاياه تعمق الهوة في الأمة وتؤجج نيران الطائفية البغيضة، لما حرقت كتبه ومزقت صوره، ولو كان قد بارك تيار الانهزام والاستسلام في الأمة ولم يؤمن بعدالة القضية الفلسطينية، لكان الإعلام الغربي يقف منه موقفا آخر، بل يردد البعض لو لم تكن مرجعيته عربية لكان لمرجعيته طعم ووقع آخر. وحيث كان السيد «البيروتي» على غير الصورة النمطية، كان الموقف منه عنيفا ولا نمطيا كذلك. إن مشروع الإصلاح الديني اليوم بحاجة ماسة لهكذا مرجعية إسلامية، تؤمن بالرأي لا الاستبداد، والعقل لا العاطفة، والإقناع لا الوصاية، والإقدام على التجديد لا الخوف والتوجس، والحوار لا القطيعة، وتؤمن بالواقع لا الشعار والوهم، والنقد لا التبرير، والمقاصد لا الهوامش، والتسامح لا التكفير، والنظم لا العفوية. وأي رسالة مهما بلغت في العظمة، ما لم تحملها شخصيات مؤمنة بكل تلك المبادئ المتقدمة والحضارية، لا يمكن أن يصل مفاد عظمتها للعالم، وما البصمات الواضحة التي تركها المشروع الإسلامي الحضاري لمرجعية السيد محمد حسين فضل الله إلا ترشحات عن تلك السمات الكبيرة، وسآتي على ذكر أهمها بالتفصيل، وضمن تصنيف المجموعات، وسلة الصفات، ليتمكن القارئ الحصيف أن يقرأ هذه السمات النموذجية والإصلاحية على مستوى المنهج، وفي سياق المقارنة والإسقاط على واقع رجل الدين، ومن كل الطوائف والتيارات، سواء في مملكة البحرين، أو في محيطها العربي والإسلامي، عوض الاستغراق في المدح الذي غالبا ما يضيع قيمة دراسة التجارب. وهي كما يلي: أ‌- سمات التفكير: فالرجل حين ينطلق في قراءته للتراث الإسلامي والتركة الدينية من قاعدة «أن التراث الفقهي والكلامي والفلسفي نتاج المجتهدين والفقهاء والمفكرين، وهو لا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، وعلى أساس ما نملكه من مقياس الحقيقة»، فهو بلا شك يملك استعدادا فكريا لقبول الاجتهاد التجديدي ونتاج العقل النقدي، ولا يستنبط الفقه ويحدد معالم النظرية الإسلامية أسيرا لتركة السلف، لأنه لم ينطلق من «العقل المستقيل» في الاستدلال، والمستريح في قراءة النص، المتكل على جهد الغير، وفرضياته العلمية التي بلورت استنباطه وتشريعاته. والسمة هذه في التفكير تلقي بظلالها على صفات فرعية مهمة، من قبيل الإيمان بطبقية الفكر على غرار طبقية الملكية والثروة، فإذا كان فاقد هذه السمة يرفض أي فهم للدين من خارج المؤسسة الدينية التقليدية، فإن الواجد لها يجمع الأفهام كلها من أين وردت ويضعها في الميزان العلمي، فإن رجحت فهذا حقها، وإن لم يكن قائلها من رجال الدين التقليديين. ب‌- سمات الشعور: فالعاطفة لابد وأن تكون أسيرة المنطق والعقل، وهي قاعدة قلّ من يلتزم بها على مستوى التطبيق، لأن تبعاتها الاجتماعية وخيمة، لاسيما إذا اعتمدت القاعدة على مورث عرفي أو مشهور علمائي، تاريخيا كان أو صيغة شعائرية أخذت طابعا مذهبيا، استطاعت من خلال تراكم ممارستها على مر الزمن أن تتلبس بلباس الثوابت، فإن مجرد وضعها في الميزان العلمي بشكل جاد يدخل الواضع في دائرة التهمة، وهذه عينها الجرأة وصفة الشجاعة والإقدام التي كان يتمتع بها الراحل الكبير سماحة السيد محمد حسين فضل الله في ممارسته للاستنباط الشرعي. ج- سمات الفعل: إن الرجل يؤمن بالنظم والإدارة ويتحاشى العفوية والبركة، ومؤسساته الثقافية في لبنان وخارج لبنان، ومشاريعه الخيرية من مبرات للأيتام، ومعهد لذوي الاحتياجات الخاصة، ومدارس تعليمية، وطريقته النموذجية في إدارة الأخماس والحقوق الشرعية، كل ذلك يشهد له بسمة الفعل الواعي من موقع التأسيس والتنمية لا موقع العفوية والتخبط. د- سمات الخطاب: وهي من أهم السمات الكبيرة في شخصية الراحل، لأنه حمل على عاتقه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وهنا تحضرني خاطرة من الذاكرة القمية حين كنا في الحوزة العلمية في إيران أيام المهجر قبل خمسة عشر عاما، حيث أخطأ أحد طلاب العلم الديني من البحرينيين على سماحة السيد فضل الله بكلمات غير لائقة، فتصدى له أحد إخواننا التونسيين مدافعا عن الخطاب القيم والمؤدب للسيد، قائلا «على رغم قرب مسافتكم الجغرافية والمذهبية بالسيد وبعدنا عنه، فإننا لم نتعرف على سماحة الإسلام من دعاة التشدد والخطاب الديني السائد، بل عرفناه حين قرأنا لغة الإقناع لا الوصاية في كتب السيد فضل الله، وما آمنا بمفهوم الوحدة الإسلامية وأخوة أتباع المذاهب الإسلامية إلا من دعوة سماحته للتقريب والوحدة بين المسلمين». إن خطابا ينطلق من قاعدة «لا مقدسات في الحوار» وهي كلمة شهيرة على لسان سماحته، لا يمكن إلا أن يكون خطابا إصلاحيا يعمد للمواقع المتهرئة من البناء الشامخ فيرممها، لتظهر في أحلى حلة. ولقد نعى الآلاف من البحرينيين وعلى رأسهم العلماء وفي مقدمتهم الوالد العزيز سماحة السيد عبدالله الغريفي، لقد نعوا جميعا رحيل المرجع فضل الله، والحق يقال إن رحيله ليس خسارة للإصلاح الديني كوقوع أية خسارة، بل هي خسارة ما بعدها خسارة، لاسيما لمنهج الإصلاح الديني في المذهب الجعفري. وإن الوفاء للسيد الراحل يكمن في الوفاء لمنهجه التجديدي، بأن لا تكون سماته التي ذكرنا مجرد كلمات للذكرى والتاريخ فهل نحن على قدر المهمة؟!!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا