النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10812 الخميس 15 نوفمبر 2018 الموافق 7 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:34AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

امسك أعصابك ..

رابط مختصر
العدد 7752 الخميس 1 يوليو 2010 الموافق 18 رجب 1431هـ

هذه هي الحلقة الخامسة من الحديث حول الإصلاح الديني في البحرين، وكنت قد ذكرت في ختام الحلقة الرابعة «إن حالة الاستبداد الفكري هي أم النقاط السوداء التي تستدعي الإصلاح الديني، ومنها تنحدر كل الصخور والأتربة التي تلطخ وجوه المقاصد الدينية، وتبعثر الرسالة الحضارية للدين الإسلامي العظيم، ومن هذا المنطلق يصبح الإصلاح الديني في البحرين عبادة» وفي هذه المقالة أود أن أقف مع نظرية العنف الفكري بشيء من الإيضاح والتعليق. لقد تنوعت الأفكار حول ظاهرة العنف في المجتمع البشري، وتعددت زوايا البحث والدراسة لهذه الظاهرة الجدلية، وأبرز أنواعه العنف الفكري، ولم يستطع أي طرح، دينيا كان أو وضعيا، ولم تستطع أية نظرية فكرية أو سياسية أن تبرئ ساحتها من كل أنواع العنف. إذ ما من تيار إلا وقبل العنف في بعض فروضه وقام بتقسيمه إلى شرعي ولا شرعي، ورضي ببعض صوره في إطار عده وفق موازينه أمرا قانونيا مشروعا، مما أخرج الممارسة العنيفة من مسمى العنف إلى أسماء أخر، والإسلام ليس استثناءً. من ذلك، فقد قبل صورا مختلفة منه تحت عنوان العقوبات تارة وعنوان ردع الانحراف والنهي عن المنكر والجهاد تارة أخرى، والتشريع طبيعي جدا في سياقه الديني، والمسألة فعلا ليست موضوع النقد والدراسة التي يستهدفها المقال. إنما الذي يهمني في المقام بحث مسألة العنف الفكري حال ممارسة التفكير واتخاذ الموقف من الرأي الآخر، حيث توجد شخصيتان: الشخصية الأولى: تفكر بشكل هادئ ورزين، يعينها على الاتسام بالموضوعية في النظر للأشياء والحكم عليها، ويكسب رأيها مصداقية مضاعفة في محاكمة الآراء والأفكار، فهي شخصية غير فوضوية في تلقي فكر الغير، وغير مصادرة لحقه في الرأي، ولا تشعر بالدوار والغثيان في مرحلة تلقي فكر الآخر مما يصعب عليها الفهم والهضم للأقوال فتصادر الرأي قبل استيعابه، بل هي شخصية تفرق في فكر ونقد الغير بين ما كان لها وما كان عليها، ناهيك عن التفريق بينما كان للحقيقة وما كان لها، ولمثل هذا العامل وعوامل أخرى تكون هذه الشخصية أقرب للإنصاف والموضوعية. الشخصية الثانية: سنخ تفكيرها يتسم بالصخب والانفعال والإثارة، فهي شخصية تبدأ بمحاكمة النوايا أولا، وتنطلق في حكمها على الأفكار من منطلق الاستهداف وهاجس المؤامرة، الذي يفقدها هدوء الأعصاب، بدأ بتلقي فكر الغير، مرورا بالمحاكمة، وانتهاء باتخاذ قرار الموقف منه، وبالتالي لا يوجد هناك فصل حقيقي بين التفكير والعاطفة في المقام. ومع كل ذلك ثمة من يبرر لهذا النحو من التفكير، مقرا بضرورته في سياق الدفاع الثوري و الحماسي عن قضايا دينية أو سياسية يعتقد بعدالتها. ونحن والمبررون غير متفقين ومحل اختلافنا في أمرين، أولهما إنه يجب التفريق بين انفعال التفكير والرأي وانفعال التعبير والدعم للقناعة والفكر، والمبررون لم يفرقوا بين رفضنا للانفعال في التفكير وقيمة بعض إنحاء الانفعال في التعبير مضبوطا بالضوابط الخطابية والبلاغية التي تستدعي أن يكون لكل مقام مقال، ورغم قبولنا بهذا القدر من الانفعال إلا أن الملاحظ على النغمة السائدة انفعالية في الخطابات الدينية «ورنانة» للمستوى الذي أفقدها اتزانها ومصداقية الفكر والرسالة التي تشتمل عليها وخلق تشويشا يصعب معه اصطياد جمل الاستدلال والبرهان. وثانيهما وهو الأهم إن تمامية الحجة بقدر عقلانيتها، ولا يمكن مساواة النحو الثاني من التفكير بالأول، وإن قبلناه فهو الاستثناء الذي لا يضر باستنتاج الفكر الخالص، وإلا عد انقلابا على حجية العقل. إن العنف الفكري الذي يمارسه البعض من الدينيين في مختلف الطوائف، ويمارسه غيرهم ممن ينسبون أنفسهم إلى مدارس أخرى، بحاجة لمشاريع تنطلق من نفس تلك التيارات تحمل على عاتقها ترشيد الفكر والسلوك اتجاه الرأي الآخر، والدفاع عن حق الفكر والرأي لأن في ضياع هذا الحق «الأم» تهدر سلسلة من الحقوق ليس لها منتهى، بل يضيع حق الله تعالى الذي يختبأ خلفه تيار التشدد في الأمة وتيار التكفير ويدعي الدفاع عنه بالوكالة، والله برئ من غضب الهوى وإن عنف الفكر وذبحت الضحايا باسمه تعالى وعلى قبلته. إن الإصلاح الديني الذي نريده، نسعى أن يبدأ بتهدئة الأعصاب المتشنجة، وبخلق الأجواء الصالحة للرأي والرأي الآخر، وقبول النقد ومخرجات العقل النقدي، ويحد من ممارسة الاستبداد الفكري والعنف المضاد للفكر المختلف، والقناعة المغايرة، كل ذلك في إطار العقل والدين وليس خارجا عنهما أو منقلبا عليهما، لا سمح الله. وما لم نقبل بمبدأ النقد، وتهدأ أعصابنا حين نسمع ونستمع لبعضنا، وتهدأ أعصابنا حين نتكلم ونخطب ونخاطب فلن يكون هناك ثمة إصلاح، ولن يتغير من واقعنا شيء، وسيبقى الحال على ما تصفه أمثال الأجداد « شبعونا طراقات وشبعناهم شتايم».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا