النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10755 الأربعاء 19 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    3:00AM
  • المغرب
    5:40AM
  • العشاء
    7:10AM

كتاب الايام

سريلانكا: انتهت الحرب الانفصالية وبدأ الصراع السياسي

رابط مختصر
الأحد 9 صفر 1431هـ العدد 7594

ما أن قضى الجيش السريلانكي في وقت سابق من العام الماضي على حركة التاميل الانفصالية، منهيا بذلك حربا أهلية دامت قرابة ربع قرن، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 150 ألف قتيل، حتى لاح ما يشبه التنافس الساخن بين القوى السياسية والرموز العسكرية من اجل استثمار الإنجاز المذكور للوثوب إلى السلطة أو البقاء فيها لآجال أطول. فالرئيس الحالي “ماهيندا راجاباكسا” الذي تنتهي ولايته في نوفمبر 2011 ، ومن خلفه حزبه السياسي الحاكم (حزب حرية الشعب المتحد)، سارع إلى الإدعاء بأن النصر العسكري ما كان ليتحقق لولا سياساته الرشيدة والخطط العسكرية الحكيمة التي وضعها شقيقه “غوتابايا راجاباكسا” وزير الدفاع، بل قام بالدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 26 يناير 2010، في محاولة منه لاستثمار الشعبية التي تحققت له من وراء عودة السلام إلى البلاد في كسب فترة رئاسية أخرى، قبل أن تنسى الجماهير الحدث وتلتفت إلى امور سلبية طبعت عهده. أما قائد الجيش الجنرال “سارات فونسيكا” (58 عاما) والذي شغل هذا المنصب منذ عام 2005 وحتى تقاعده مؤخرا، فهو الآخر، ومن ورائه حزب المعارضة الرئيسي (الحزب الوطني المتحد) وحزب “جاناتا فيموكتيبيرامونا” الماركسي، وجدها فرصة مواتية لاستثمار ما تحقق في خوض السباق الرئاسي، قائلا إنه هو الأجدر بقيادة البلاد. وهو لئن اعترف أن النصر ضد التاميل تحقق بتوجيهات “راجاباكسا” السياسية، فإنه اتهم الأخير بالفساد والمحاباة والنزوع نحو الدكتاتورية، وقطف ثمار ما زرعه غيره بالعرق والدم والدموع، مذكرا الجميع بأن “راجاباكسا” بدلا من أن يكافأه على خططه الحربية الناجحة ومشواره العسكري المتميز طيلة العقود الأربعة الماضية، حاول إزاحته بمنحه حقيبة الشباب والرياضة الهامشية، بعد أن شكك في ولائه، وزعم كذبا أنه يعد لانقلاب عسكري. بل حاول التخلص منه بطريقة غير مباشرة وذلك حينما خفض من أعداد الحرس المخصصين لحمايته وحراسة منزله من 600 عنصر إلى 25 عنصرا فقط، على الرغم من التهديدات الموجهة ضده من قبل بقايا جماعة نمور التاميل. وفي هذا السياق لم ينس “فونيسكا” الإشارة إلى أن القوى الموالية للرئيس قد تغتاله مع اقتراب موعد الاقتراع، وتلصق الجريمة بنمور التاميل. بطبيعة الحال لا يوجد في النظام الديمقراطي السريلانكي ما يمنع تولي عسكري سابق مثل “فونسيكا” منصب الرئاسة، طالما أن أقوى ديمقراطيات العالم وهي الولايات المتحدة لديها تجربة معروفة في هذا المجال ونعني بها تولي الجنرال “دوايت أيزنهاور” للرئاسة في الخمسينات عبر استثمار ما حققته القوات الأمريكية من انتصارات تحت قيادته في الحرب العالمية الثانية. لكن السؤال الذي يبقى قائما هو: هل بلدان جنوب آسيا - عدا الهند - تتمتع بهياكل ومؤسسات ديمقراطية منيعة مثل الولايات المتحدة، وبما يحول دون قيام الجنرال المنتخب بإجراءات وتغييرات دستورية تصب في صالحه أو صالح محازبيه؟ الجواب طبعا بالنفي. فجنرالات جنوب آسيا ينطلقون إلى عوالم السياسة ويزاحمون المدنيين مستخدمين شرعية تحقيقهم لنصر عسكري داخلي وليس لنصر عسكري ضد عدو خارجي. كذلك فعل الماريشال أيوب خان في باكستان، ومن بعده الجنرال ضياء الرحمن في بنغلاديش. لكن بعيدا عن شرعية النصر العسكري الذي قد يرفع من حظوظ “فونسيكا” الانتخابية، فإن الرجل يمتلك ميزات أخرى تصب في صالح فوزه مثل انتمائه الطبقي. فهو ينحدر من طبقة “كارافا” المعروفة بنشاطها الاقتصادي وهيمنتها على الأقاليم الجنوبية وتمثيلها للبرجوازية الجديدة التي تشكل نحو ثلث العرق السنهالي، ولشريحة التجار وملاك الأرض التي تضم نحو نصف السنهاليين. في مقابل هذا، يعاني الرئيس الحالي “راجاباكسا” من مشكلة عدم وجود قواعد شعبية قوية له في الأقاليم الجنوبية المؤثرة انتخابيا. كما أنه يعاني من انخفاض قديم في شعبيته بسبب أساليبه الأوتوقراطية وتطبيقاته لإجراءات اقتصادية لا تحظى بالشعبية مثل تلك التي أوصى بها صندوق النقد الدولي، وكانت لها انعكاسات سلبية آنية على حياة الجماهير. على أنه يجب أن نستدرك ونقول إن حزبي البلاد الرئيسين وأيضا مرشحيهما للرئاسة (راجاباسكا و فونيسكا) لا يختلفان كثيرا في طروحاتهما وأجنداتهما السياسية. فهما مثلا لهما نفس النظرة الشوفينية حيال الأقلية التاميلية، أو كما قال أحد المعلقين: هما “ثوبان مصنوعان من قماش واحد”، بمعنى أن كليهما يدينان بالبوذية وينتميان إلى الإثنية السنهالية، ويعتبران من المتعصبين لقوميتهما، وبالتالي ينظران إلى التاميل، ليس كشركاء في الوطن، وإنما كأقلية يجب أن تعرف حدودها ومكانها فلا تتجاوزها. ودليلنا على أن “فونسيكا” يتبنى مثل هذا الموقف هو مقابلة منحها الرجل في سبتمبر من عام 2008 لصحيفة كندية، قال فيها “أؤمن إيمانا عميقا بأن سريلانكا هي ملك للسنهاليين فقط. أما الأقليات الموجودة بيننا فتستطيع أن تعيش معنا في البلاد، لكن عليها أن تعي وضعها جيدا فلا تحاول أن تطالب بحقوق موازية لحقوق الأغلبية”. أما دليلنا على انتهاج “راجاباكسا” للموقف نفسه فهو أنه، رغم كونه رئيسا لكل السريلانكيين، لم يبذل أي جهد منذ انتصار جيشه على نمور التاميل للتقرب من أبناء الأقلية التاميلية، أو تطييب خواطرهم، أو تخفيف معاناتهم، أو التحقيق في الأنباء التي انتشرت حول ممارسة جيشه لأعمال إبادة جماعية في معاقل نمور التاميل، بل حصر جل تفكيره في كيفية استثمار النصر العسكري لكسب المزيد من الشعبية، وبالتالي الفوز سريعا بولاية ثانية قبل أن تنسى الجماهير أنه “بطل الحرب والسلام” و«مخلص الأمة السنهالية”، على نحو ما ردده مؤيدوه. وموقفا راجاباكسا ومنافسه ينسجمان ويتطابقان مع مواقف أغلبية السنهاليين الذين لا يشعرون بأدنى حرج من تشويه صورة بلادهم الديمقراطي من خلال إقصاء ملايين التاميل من حقوق المواطنة الكاملة، بل لا يشعرون بالحرج حتى من إطلاق دعوات لإعادة التاميل إلى الهند، بدعوى أن البريطانيين هم الذين جلبوهم من هناك وزرعوهم في سريلانكا يوم أن كانت تعرف باسم سيلان لاستخدامهم في زراعة نبات الشاي، بعد أن اكتشف المستعمر أن الأخيرة أرض صالحة لزراعة ذلك النبات الذي تعرفوا عليه من الصينيين في حدود عام 1824 . غير أن مواقف المرشحين الرئاسيين يثيران الاستياء في العالم الحر. وليس أدل على ذلك من مواقف واشنطن ولندن اللتين نددتا بالأساليب العنيفة واللانسانية التي استخدمتها حكومة “راجاباكسا” في تعاملها مع التاميل المهجرين من مناطق العمليات الحربية. هذا ناهيك عن تنديد منظمة الأمم المتحدة التي اشتكت لكولومبو من عملية احتجاز ما لا يقل عن ربع مليون مدني تاميلي في معسكرات لا تتوفر فيها أدنى المتطلبات البشرية، ويحظر على وسائل الإعلام الإقتراب منها. إلى ذلك أعربت منظمات حقوقية عن خشيتها من التزام واشنطن الصمت مستقبلا حيال انتهاكات حقوق التاميل على يد سلطات كولومبو. وسبب هذه المخاوف هو أن واشنطن - لأسباب جيوبوليتيكية - محتاجة إلى كولومبو كحليف استراتيجي، وبالتالي لا تستطيع الضغط عليها كثيرا أو تهديدها بوقف المساعدات، خوفا من سقوطها في أيدي خصومها الإقليميين كالصين، خصوصا وأن بكين تراقب المشهد عن كثب وتسعى إلى استقطاب سريلانكا من خلال المساعدات غير المشروطة. [ باحث ومحاضر أكاديمي في الشؤون الآسيوية من البحرين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا