النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10754 الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 الموافق 9 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:42PM
  • العشاء
    7:12PM

كتاب الايام

اقتصاد سياسي... نزاعات وفقر

رابط مختصر
السبت8 صفر 1431هـ العدد 7593

لم تكن الحروب إلا مشاهد دمار وعنف و خراب ، و تعزز هذه الصورة البشعة في الحروب الداخلية التي تتجلى في شكل نزاعات أهلية في دول فقيرة ، ابتعدت عنها الدول الكبرى وهمشت في الإطار السياسي الدولي وانحدرت درجات من سلم اهتمام الأمن الدولي بعد انحسار الحرب الباردة . و بالرغم من اتساع التدمير المادي و إزهاق الأرواح و تعدد أسباب هذه النزاعات و امتداد أزمنتها ، إلا أن مقاربة سياسية متكاملة تهدف إلى إيجاد حل بعضها وتعمل على كشف أسبابها المعقدة و المتعددة ، الجاثمة خلف اشتعال فتيلها بعيدة عن متناول الباحثين و غيرهم . وبغض النظر عما تلبسه تلك النزاعات من أثواب المسوغات ، فإنها تعيش على مورد اقتصادي تقتات عليه و تنمو بوجوده ، و لا تبقى في عروقها نبضة بجفافه ، بل تتلاشى و تضمحل بسرعة و خاصة بعد غياب المصادر الخارجية المتأتية من الدول الكبرى التي انتهت المنافسة بينها في أوائل التسعينات من القرن الماضي . فقد عرف الاقتصاد السياسي ظاهرة اقتصاديات الحرب المتمثلة في نمط العلاقة و قواعد إدارة الاقتصاد وفق مقتضيات معينة من تعبئة وتوجيه الموارد الوطنية باتجاهات تخدم الإنتاج و المجهود الحربي لردع و دحر دول معادية و المحافظة على سيادة الدولة و بقائها ، إلا أن النزاعات المحلية في هذه الدول الفقيرة ، اتسمت بصفات جديدة دخلت على الفضاء الاقتصادي كتجاوزها الحكومات الوطنية و القانون الدولي ، استخدمت الأطراف الداخلة في الصراع ، الموارد الطبيعية استخداما جائرا و بشعا ، و قوضت الأنظمة الضريبية الداخلية و أضعفت الضوابط المالية الدولية ، كما لم تتهاون هذه الأطراف استغلال المساعدات الإنسانية والسيطرة على البشر لمواصلة القتال . جاء كتاب الباحث بي . اس . دوما (الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية ) لسد فراغ في الاقتصاد السياسي للصراعات و النزاعات الداخلية كثمرة نتائج تجارب ميدانية في أنغولا و كولومبيا و سيراليون و سري لانكا و جنوب الصحراء في إفريقيا ، و وفرت معلومات عن اقتصاديات الحرب التي تتصف عادة بطابع السرية وتبرم صفقاتها في الخفاء و الظلام . و انطلاقا من منظور مقارن لثلاث محاور هي : البعد المحلي للاقتصاد السياسي للنزاع، و التفاعل بين البعدين الوطني و الدولي، ودور العوامل الخارجية ، يصل الكتاب إلى تعريف مراده إلى أن هذه النزاعات هي في الحقيقة “ الطريق التي يجري فيها توليد موارد اقتصادية و استغلالها على أيدي أطراف و فاعليات ( داخلية و خارجية ) منخرطة في ما يسمى”نزاعات داخلية “ تتموضع داخل بلدان معينة من أجل الحفاظ على وجودها ذاته و توطيد مصالحها السياسية و الاقتصادية “ . فهذه النزاعات تخفي أجنداتها الاقتصادية التي تحمل أهدافا لتراكم الثروات و تنشأ مصادرو موارد كثيرة من انهيار القانون و النظام وغيابهما عن طريق استخدام القوة في النهب و السرقة و السيطرة على التجارة و الموارد الثمينة بدرائع تلبية احتياجات البعض أو تطلعات الآخرين اي يصبح جدل الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية غير السوية ناقصة في تفسير أسباب كل هذه النزاعات ، رغم توفر مظالم حقيقية اشعلت حروباً ، ولكن تظل مجموعة المصالح للأطراف المتنازعة قادرة على خلق أجندات اقتصادية مرتبطة بمثل هذه النزاعات بمرور الوقت . وغم البساطة المشجعة و المغرية للتناقض بين عوامل المظلومية ( الجور ) من طرف و الدوافع الاقتصادية ( الجشع ) من طرف آخر فقد شكلت هذه العوامل والدوافع جدلاً كبيراً بين علماء الاجتماع في محاولاتهم لإيجاد تفسير لأسباب نشوء هذه النزاعات . هذا التفسير الذي يدور حول الثقل الذي يجب أن يعطى للجشع في معادلة النزاع أم الذي يتمحور حول الجور الذي تنطلق منه الحروب على إعتبار الموارد المستغلة و المستخدمة في هذه النزاعات ما هي إلا وسيلة لخوض الحروب من أجل إبعاده . ويعتقد أن العوامل الاقتصادية تعطي النزاعات قوتها و طول حياتها ولكن غياب الأدلة الكافية لترجيح كفتها ، يظل رهن أجندة العامل السياسي الذي تخفيه عن العيون مختلف أطراف النزاع ؛ و قد يصبح طريق التمويل ادأة في إزاحة اللثام عن خصائص و دور سبل تمويل هذه النزاعات نظرا لوجود علاقات عضوية بين اقتصاديات الحرب و الأسواق العالمية في تغذية القتال و إقامة شبكات الاتصالات مع مختلف الوسطاء من أجل احتدامها و استمرارها ، لعل هذه الاداة هي المفتاح الحقيقي لكل الأبواب المغلقة .

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا