النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10816 الاثنين 19 نوفمبر 2018 الموافق 11 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:39AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

معوقات الإصلاح الديني في البحرين ومأزق المراوحة (2)

رابط مختصر
العدد 7724| الخميس 3 يونيو 2010 الموافق 19 جمادى الآخرة 1431هـ

كنت قد ذكرت سلفا معوقات رئيسية ثلاثة للإصلاح الديني في البحرين وهي: خطاب ما بعد الحداثة لمجتمع ما قبل الحداثة، وضبابية مفهوم الإصلاح وحدوده، وتداخل المسارين السياسي والفكري بشكل مضر بموضوعية البحث فيهما. وأعود في هذه المقالة للوقوف على باقي سلسلة المعوقات التي تحرم البحرين من أن تتميز في إصلاحها الديني، والتي تتحمل، أعني المعوقات، في الوقت نفسه مسؤولية مراوحة هذا الأمر المهم في محله خلال العقود الماضية الثلاثة. 1- بحث النخب عن التغيير من موقع البرج العاجي، إذ والحال هذه لا يمكن أن يعطي النقد الإصلاحي نتيجة إصلاحية، وهو العائق الذي يتطلب قناعة نخبوية جديدة تأخذ على عاتقها الانخراط في المجتمع ومؤسساته الدينية والمدنية وتتحمل مستوى من الصفعة والتخوين، ويصبح تحديها الجديد إعطاء النموذج العملي الصالح الذي لا ينسلخ من مبادئ بيئته الدينية والمجتمعية، ليصعب بذلك على المتشددين والإقصائيين الاستفراد بصناعة فكر الساحة ووعيها. وفي اعتقادي ان كثيرا من النخب اختارت الهروب وممارسة القصف العشوائي ضد أبناء المجتمع ومؤسساته ما جعلها تعزل نفسها بيدها، بل بررت من حيث لا تعلم بفوقانيتها لدعاة التشدد ممارسة أقسى ألوان الاستبداد اتجاه خطاب الإصلاح الديني. كما وأن النخب التنويرية مطالبة بنقد ذاتها في هذا الجانب لتتموضع من الساحة موضعها الذي يخدم الإصلاح الديني ولا يضر به، وعليها أن تقتلع الرعب الذي يسكن في داخلها من تهمة المجتمع بالبحث عن بدائل لمفردات التصعيد، تستعيضها بمفردات أقل صدمة وأقل تحريضا من النغمة السائدة. على أن يراعي البديل خصوصية المجتمع البحريني، فهو مجتمع على سبيل المثال غير مؤهل نفسيا وفكريا لقبول النقد الساخر اتجاه أي مفهوم يأخذ غطاء دينيا إلا أن يكون النقد نفسه قد استخدم ذات اللغة وذات الأداة، وهي النظرية التي ينادي بها أكثر من مفكر عربي وإسلامي بضرورة معالجة مطبات الفكر الديني وخطابه بمفاهيم ومفردات دينية إصلاحية، تحاشيا لما يسمى بعملية التغريب وهي سمة كفيلة بإجهاض الدور الإصلاحي. ويدخل أيضا في الخصوصية البحرينية، بشكل من الأشكال، حال الحكم على أي عملية إصلاح ديني؛ مدى محسوبية الشخص على السلطة السياسية، الأمر الذي يستوجب من قواد الإصلاح الديني اختيار المواقف السياسية بوعي والحيطة التامة لها بإجراء عملية حسابية لترتيب سلم الأولويات. وهي مسألة لا تقتصر على الموقف السياسي من قضايا الداخل فقط بل تتعداه لقضايا الوسط الإقليمي والقضايا العربية والدولية. هكذا تجتمع العقد في حبل واحد، إذن الدور المناط بعملية الإصلاح الديني ليست قضية نقد إعلامي أو منبري يثير جدلا هنا وسخطا هناك. بل إذا ما أريد أن يكون الجهد المبذول إصلاحا حقيقيا فليأخذ على عاتقه الدخول في هذه المخاضات الصعبة بدل التخاطب من على شرف البلكونات. 2- ومن معوقات الإصلاح الديني كذلك نقص الخبرة الفلسفية عند عدد غير قليل من رجال الدين والوعاظ، حيث إن اهتماماتهم تنصب أو قل موزعة على دراسة الفقه والعقيدة والحديث والتفسير والتاريخ الإسلامي والأخلاق، في حين تتغيب الدراسة الفلسفية الشاملة، إلا الهي منها، وهو كذلك مبتلى بأخذه لطابع علم الكلام أكثر من كونه فلسفة حقيقية، و«إشكالية التحيز الدراسي” هذا أمر سيال يجري على بقية الاهتمامات الدراسية عند رجل الدين في كل المذاهب، حيث يعاني منه الفقه وعلم التشريع، نظرا لعدم قيمة الفقه المقارن ومستنداته المقارنة التي يكون لها الأثر الجاد في استنباط الحكم الشرعي، ويعاني منه الحديث والتفسير والتاريخ والتي تأخذ دراستها في الغالب طابعا مذهبيا. وهي مسألة تكمن خطورتها في تكوين العقلية المنغلقة على تراث الذات، سواء كانت الذات تيارا أو مذهبا أو دينا، وحتى الأمر الذي يضفي صيغة قدسية على الرأي تنعكس في مقام استيعاب وتقبل الأفهام المقابلة والرأي الآخر. 3- عدم وجود الحاضن والمسوق لمشاريع الإصلاح الديني، فمن يشعر بالمسؤولية الإصلاحية اتجاه مجتمعه ويبلور شعوره الصادق في أدوار عملية جادة يجد نفسه في نهاية المطاف بل في أوله فردا لا حول له ولا قوة “يغرد خارج السرب” والسرب يسير في حركة تقهقرية كما أسلفنا، إذ لا توجد مؤسسات صالحة تسنده وترعى عمله، ولا يوجد إعلام يعطيه مساحة وسقفا لائقا بقيمة وخصوصية الموضوع الذي هو بصدده. ما يحبط السعي في طريق الإصلاح الديني. وإلا فما يمنع الإعلام من تحريك المياه الراكدة والدخول على صناع ومصانع الخطاب والتفكير الديني ومحاورتهم بل ومحاسبتهم على ما يقولون وما يشيعون ويبثون من فكر وعقيدة وفهم للدين والحياة، ولهم تمام الحق في الدفاع عن أفكارهم بأسلوب حضاري، وللمجتمع أن يسمع الخطاب الديني من وجهه الآخر، أي مرحلة ما قبل الوصاية والانقياد، وأن يتعلم نقد الفكر وطرق التلقي الواعي والمنفتح على الدليل والمنطق العقلي. إن مجتمعا لا يقرأ إنما يتصفح ويطلق عناوين عامة وتستهويه الشائعة ويعطي الآخرين وكالة عامة في التفكير عنه ومن ثم الانقياد الأعمى لهو جدير أن تمد له يد العون ليخرج من مأزق الظلمة، وليتنفس طعم الحياة في ظل الانتماء الواعي سواء للدين أو المذهب أو التيار، وينعم الجميع على اختلاف مشاربهم في وطن عدوه الجهل وصديقه العلم والمعرفة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا