النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10760 الإثنين 24 سبتمبر 2018 الموافق 13 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

المطالبون بالتعديلات الدستورية ... ما هكذا تورد الإبل

رابط مختصر
العدد7705 | السبت 15 مايو 2010 الموافق 30 جمادى الأولى1431هـ

من الثابت فقهيًا ان دساتير الشعوب لم تصدر من فراغ ، وإنما تكون افرازا ووليدا للتطورات السياسية والدستورية التي مرت بها الدول المختلفة، وفي حالة البحرين، فان دستور المملكة أصدره حضرة صاحب الجلالة الملك حفظه الله، مشتملا على التعديلات الدستورية التي أجريت وفقا لما جاء في ميثاق العمل الوطني الذي أجمع عليه الشعب في الاستفتاء. وقد صدقت الحكومة فى رفضها للتعديلات الدستورية التي اقترحها بعض اعضاء مجلس النواب، خاصة وان التعديلات الدستورية المقترحة، جاءت على خلاف ما تقتضيه أحكام الدستور من ثبات نسبي لا تكفي له الفترة الزمنية المنقضية من عمر الدستور الحالي للمملكة.. ولا تبرر دواعي التعديل المقول به لدحضه أو الإخلال به، وذلك مراعاة لاستقرار الأوضاع السياسية والدستورية في المملكة، وترسيخا للإرادة الشعبية شبه الاجتماعية التي تمثل السلطة التأسيسية الأصلية في المملكة والمتمثلة في الموافقة على ميثاق العمل الوطني الذي جاء الدستور الحالي منبثقًا من أصوله ومبادئه ومتماشياً مع أسسه وقواعده. ويستلزم الامر في البداية ان نتعرف على مقاصد الذين يريدون التغيير الذي تزامن مع قرب انتهاء ثاني ولاية برلمانية فى ظل الدستور الجديد للمملكة والذي فتح المجال لبدء حياة برلمانية جديدة .. فما نريده من تعريف المقاصد هو تحديد اهداف هؤلاء، لكي يتسنى لنا الاقتراب من الحقيقة في النهاية. واذا كنا قصدنا التعريف بالاهداف، فالاولى لنا ايضا التعريف بمصلحة المملكة، على ان تكون هذه المصلحة هي مبتغانا الاول والاخير. ولا افهم مكنون مطلب البعض باجراء بعض التعديلات الدستورية، فالمطلب نفسه يتناقض مع الدستور نصا وروحًا، فالمطلوب يشوبه الغموض والتناقض، في حين ان نصوص الدستور الحالي ومواده الأساسية واضحة ، ناهيك عن موافقة الشعب عليها. والشعب هو اساس السلطات ومصدرها. ولعلي اكشف ان من يطالب بتعديل بعض مواد الدستور ، فهو يريد الخروج على النظام، لانه يتحدث عن بلد آخر غير البحرين ولا يتحدث عن مؤسسات قائمة في المملكة . وهو ايضا لا يريد الجهر برغبته في مخالفة الدستور الذي اقره الشعب، ويتحايل على ذلك بابداء بعض التحفظات عليه، لعله ينجح في الانقلاب عليه وتعطيل الحياة البرلمانية. او لعل هذا الذي يطالب بتعديل بعض مواد الدستور لا يريد الجهر برفض الاعتراف بشرعية النظام الاساسي الذي تقوم عليه البلاد، ولذا، نراه عبر المطالبة بتغيير بعض المواد الدستورية، يتحايل على هذه الرغبة المكنونة. مشكلة هؤلاء هو مخالفة اسس المملكة، وبث الفتنة بين ابناء الشعب الواحد، والتهديد بتحريضه على نظام الحكم. ورأينا البعض يهدد الحكومة عبر توجيه دعوة للشعب – بكل قواه - للتصدي لوجهة نظر الحكومة حتى تتراجع عن رأيها فى مسألة تعديل بعض مواد الدستور. كما ارتكب هؤلاء خطأ سياسيا آخر وهو اتهام الحكومة بما ليس فيها، ومما يدعو للدهشة استخدام هؤلاء لمفردات لغوية ضخمة مثل عناوين « ارتكاب اخطاء استراتيجية» و« سد اي منفذ للاستقرار السياسي»، والخطير في الامر هو ان هذه العناوين المبالغ فيها تقطر سمًا، مثل التحريض المباشر ايضا للشعب للانقلاب على حكومته. ثم ليس من حق اي جهة سياسية ايا كان موضعها وموقعها وقوتها البرلمانية، اسباغ صفة «عدم الفهم على شعب البحرين العظيم. فهذا الشعب الذي ضرب اروع الامثلة في الانتماء لبلده وارضه ووطنه، وهو الشعب الذي ذهب الى صناديق الاقتراع ليقول رأيه في الميثاق، وهو نفسه الشعب الذي اقر الميثاق بالاغلبية. فهذا الشعب العظيم لم يكن مكبل الايدي عام 2002 وهو يمنح مشروع الميثاق الشرعية لتدشين سياسة الاصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد. ولم يكن من الحكمة ان يخرج علينا البعض وينشر في الصحف والاعلام كلامًا عبثيًا بان الحكومة تتراكم اخطاءها بما يدخل البلاد في نفق لا يعلم الا الله كيف ستخرج منه. فاسلوب التهديد مرفوض ولا يجب ان يصدر من اشخاص وثق بهم الشعب واختارهم ليكونوا نوابه بالبرلمان. لأن من ارتأى ان يكون نائبا برلمانيا، فعليه الارتكان لاسلوب النقاش والحوار وليس التهديد والتحريض على الانقلاب ضد الدولة واركانها. وللاسف، يرى البعض ان من حقهم كأعضاء في مجلس النواب، اجراء ما بدا لهم من تغييرات وتعديلات على بعض المواد الدستورية بالمخالفة للدستور نفسه، ونسى هؤلاء ان النظام السياسي قائم على مبدأ الثنائية، اي البرلمان ومجلس الشورى معا، وليس جزءا بدون الاخر، وهذا يعني انه ليس من حق البرلمان وحده المطالبة بتعديل الدستور، لان هذا المطلب مرتبط ايضا بأحقية مجلس الشورى فى ابداء الرأي هو الاخر. حقا.. فان القضية المثارة حاليا لهي قضية فارغة من المضمون الشرعي، وإن كنا نقر بانها قضية سياسية .. فالمنطق الليبرالي والوطني يؤكد بالضرورة أن يكون التغيير عملية مؤسسية يطالب بها الشعب وعبر الاستفتاء العام، وليس من خلال فرد أو مجموعة أفراد، ‏ يقررون دون تداول ونقاش وأخذ وعطاء وفي الشكل والمضمون مع من بيدهم التغيير‏. والاهم من كل هذا، ان يكون مطلب التغيير عبر مجلسي النواب والشورى‏ معا وليس ان تقوم كل مؤسسة على حدة بطرح الرغبة في التغيير بدون دليل واحد على أنها تمثل الشعب‏.‏ ومن المؤكد أنه من حق هؤلاء الذين يطالبون بتغيير بعض مواد الدستور، ان يسلكوا الطريق الامثل لتحقيق أهدافهم، ولكن بشرط ان يكون هذا الطريق حريصا ومتمسكا بالمبادئ الليبرالية والديمقراطية التي ينادي بها‏.‏. وهذا الطريق يستلزم عدم بث الفتنة بين ابناء الشعب الواحد او تحريض جزء منه على ان يأتي بسلوك مخالف للنظام والامن العام او الاصطدام بالحكومة والشرطة لاحراجهما بما يتسبب في اندلاع اعمال الفوضي وليس إلى التغيير‏.‏ ثمة مشكلة تواجه البعض منا، وهي مشكلة سياسية بالتأكيد، فهؤلاء لا يري في تطبيق الديمقراطية أكثر من سلسلة من الأساليب والأدوات الانتخابية لتحقيق مآربهم الفئوية الضيقة وليست الوطنية الجامعة، بينما جوهر الديمقراطية كما تعنى الكلمة فى تعريفها اللاتيني ، هو خدمة الشعب والمجتمع وليس انقلاب جزء من الشعب على حق المجتمع. وكان حريا بهؤلاء وهم يدعون الى اجراء بعض التعديلات الدستورية، العودة اولًا الى نصوص الدستور واحكامه وادراك مقاصده، قبل التفكير فى اجراء التغيير والانتقال من حالة إلى أخرى من خلال توافق يجمع ولا يفرق‏، ويضم ولا يستبعد‏، وعلى ان يكون التغيير المطلوب‏ استمرارا وتطويرا للتغيير الجاري بالفعل في المملكة من اصلاح وحكم رشيد‏.‏ وكان حريا على هؤلاء ايضا ان يعلموا بان دساتير الدول يجب ان تتمتع بالاستقرار، وانه من غير المعقول ان يتم تعديل المواد الدستورية كل بضعة سنوات حسبما يتراءى للبعض، فالتعديل يكون على فترات متباعدة حتى يتمتع باكبر قدر من الاستقرار، باعتباره لا يحتوى إلا على المبادئ والتوجهات العامة، وهذا بالقطع لا يتم تعديله او تغييره على فترات قريبة. فالتعديل، امر يقتضيه افرازات الواقع السياسي والاجتماعي من تحولات كبيرة تستدعي اعادة النظر في المبادئ الدستورية. واذا كان من حق الجميع او بضعة افراد في المجتمع ان تدعو الى التغيير او التعديل، فانه من الراسخ في الدول العريقة انه من مسؤولية الدولة المحافظة على استقرار الدستور، وعندما يأتي الوقت الذي تحدث فيه تغييرات كبيرة تقتضي اعادة النظر في مواد الدستور، تطرح كل هذه الافكار مجتمعة لإعادة النظر فيها. لقد شاهدنا على مدى عمر مجلس النواب منذ اعادة تدشين الحياة البرلمانية عام 2002، تنامي الحركات السياسية المطالبة بالتغيير، رغم ان نواب هذه الحركات في البرلمان قد دخلوا المجلس كنتيجة مباشرة للاصلاحات السياسية التي شهدتها البحرين، ولا ابالغ اذا قلت ان الواقع السياسي في البلاد ربما يتجاوز الامال الكبرى والاحلام، لأن ما تحقق من طفرة ديمقراطية في البحرين يشهد به القاصي والداني. وفي خضم هذا الجدل، كان لابد من حوارات هادئة مع مختلف الأطياف السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حوارات تضع النقاط على الحروف وتتعرف على مواطن الاختلاف والاتفاق، لان ما تقدم به بعض النواب من اقتراحات بتعديل بعض المواد الدستورية، لهو حقا إسقاط للإرادة الشعبية. فالدستور هو الوثيقة التي ارتضتها الإرادة الشعبية الأصيلة. مما لا شك فيه، ان البحرين تعيش حالة من الحراك السياسي، وهذا يتطلب الكثير من الوضوح والشفافية من كافة الاطياف السياسية عندما تتقدم بطلب لتعديل بعض مواد الدستور لكي تبين لنا نواياها الحقيقية.. ولكن هذا لا يمنع القول اننا كدولة مؤسسات، فربما نشهد بعضا من التجاوزات والخروج عن المسار الذي ارتضيناه، وهذا المسار بالتأكيد هو استمرار نهج النهضة والإصلاح. وهذا يستلزم من الجميع التعاون من اجل حاضر اكثر استقرارا ومستقبل اكثر رخاء لهذا الوطن، بشرط الا يتعالى طرف على آخر او تستقوى جماعة بآخر غريب عنا بما يؤدي الى زعزعة أوضاعنا الداخلية. مطلوب منا جميعا أن نكثف مجهوداتنا لتقوية جبهتنا الداخلية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، على نحو يجعلنا دائما في مكان الصدارة، وبما يضيف إلى قدرتنا، ويساعدنا على أدائنا لمسؤولياتنا الرائدة، ونقصد مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي في المملكة، التي نتمنى من المولى عز وجل أن يوفق قادتنا من اجل تحقيق مناهم بصنع مستقبل أفضل. وليس خافيا على احد، اننا نواجه تحديات جساما، من بينها دعوة البعض الى تعديل بعض مواد الدستور بلا داع، بما يؤثر سلبا على نهضتنا السياسية والديمقراطية، ويهدد بنياننا الوطني، فمجتمعنا القوي هو المجتمع الديمقراطي، مجتمع الحوار الحر، والرأي والرأي الآخر، الذي تنعم فيه الحياة الحزبية والسياسية، بضمانات سياسية وقانونية وقضائية تتيح لقواه الحزبية والسياسية أن تؤدي دورها دون رقابة. نسأل المولى عز وجل أن يهدينا من أمرنا رشدا، وأن يجلو بصائرنا على الخير، ويفتح ما بيننا وبين قومنا بالحق.. إنه نعم المولى ونعم النصير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا