النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10811 الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 6 ربيع الأول 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

الشيخ الشعراوي.. وأسرار الجنين

رابط مختصر
العدد7704 | الجمعة 14 مايو 2010 الموافق 29 جمادى الأولى1431هـ

هل من المفيد حقاً، الاستعانة بالنظريات والاتجاهات والحقائق العلمية والمكتشفات العصرية على اختلافها، في تفسير الآيات القرآنية والاحاديث النبوية، كما يفعل البعض، ام ان مثل هذا التوجه محفوف بالمخاطر الفكرية، كما يحذر آخرون؟ فقد انتشر هذا المنحى في التفسير، مع الثورة الاعلامية، على نطاق واسع، واجتذب الى سوح الدعوة والتفسير الكثير من شيوخ الدين واساتذة العلوم البحتة والتطبيقية والاطباء، وكذلك ادعياء العلم من الكُتاب والمؤلفين والاعلاميين! ونحن جميعاً ندرك ان اغراءات السبق والشهرة كثيرة، والحاجة في صفوف الجمهور لربط الدين بتوجهات العصر شديدة. وبخاصة وان مثل هذا «التفسير العلمي»، والذي يكاد احيانا ان يحيل القرآن الكريم وبعض كتب الحديث والتراث، مرجعاً في علم الاحياء والجيولوجيا والفلك والفيزياء، ويسد فراغاً ملحوظاً في نفوس المسلمين ويشبع حاجة ملحة لديهم، بسبب تقصيرهم في ميادين البحث والاختراع وتطوير الحياة الحديثة، فيجد الكثيرون في مثل هذه التفسيرات والتأويلات العوض والعزاء. ولكن ما من باحث جاد ممحّص، إلا ويكتشف ان مثل هذا التوجه لايزال مرتجلاً، يحكمه التعجل والسطحية وعدم الثبات. وكان اولى بالمفسرين المعاصرين والمفكرين الدينيين لو انهم سلموا بانفصال مجالات العلوم البحثة والتطبيقية والفرضيات، عن مجال النصوص الدينية والايمانيات والغيبيات، وجعلوا هذه الاخيرة حقاً من حقوقق كل مسلم، يفهم من الاشارات العلمية وغوامض الاشارات فيها ما يسعه فهمه، دون المغامرة بتفسير بعض الآيات على ضوء بعض التطورات العلمية، ثم التراجع عنه عندما يطرأ تحول جديد! وبعكس مفكري ومفسري الأديان الاخرى، كاليهودية والمسيحية والبوذية، ممن يتعمقون في الفكر والفلسفة والتاريخ والأديان المقارنة، فتأتي كتاباتهم في احيان كثيرة اضافة حقيقية في ميادين ثقافية مختلفة الى جانب الميدان الديني، نجد ان المفكر الاسلامي، وعلى نحو اشد تواضعاً مفسر النصوص، فقير البضاعة أسيراً، بعيداً عن امهات الكتب والمؤلفات في مجالات كثيرة، لو طالعها وتعمق فيها، لفهم دينه من زوايا جديدة انسانية وعصرية لا تخطر له الآن ببال. نعود بهذه المناسبة مثلاً الى مقال د. فؤاد زكريا المطول عن بعض تفسيرات وفتاوى الشيخ متولي الشعراوي، وقد نشر المقال في الوطن الكويتية يوم 1984/7/22. يقول د. زكريا: «أيدري الشيخ الشعراوي، ان مرجعاً من اعظم المراجع العالمية العميقة عن الماركسية، قد ألّفه رجل دين فرنسي معاد للماركسية عداء شديداً؟ (انظر كتاب «ماركس» تأليف ميشيل هنري، في جزأين، دار جاليمار للنشر في باريس، 1976). ويضيف المفكر الراحل، د. زكريا: «ان رجال الدين من المسيحيين واليهود في الدول الغربية يقفون في الصف الاول من مثقفي بلادهم، ويظهر بينهم فلاسفة ومفكرون عالميون (مارتن بوبر في اليهودية، تيليش ونيبور في المسيحية، الخ..) وهؤلاء لا يُحسبون فقط ضمن اقطاب الفكر الديني، بل ايضا ضمن اقطاب الحركة الثقافية في العالم. صحيح ان ثقافة الشيخ الاسلامية غزيرة، ولكنه ما دام قد أخذ على عاتقه ان يهاجم المذاهب الاجنبية الاخرى، فليفهم على الاقل هذه المذاهب، وليتعمق فيها حتى يجيء نقده لها على اساس متين. ولكن الظاهرة المؤلمة هي ان الدعاة الاسلاميين عندنا، حين يتحدثون عن ثقافة الغرب ويوجهون إليها هجومهم، يرددون عبارات محفوظة واحكاماً مكررة وكلاماً غير علمي.. وهكذا تسمع احكاماً فجة عن نظرية التطور، يؤكد فيها اكثر من كاتب «ان داروين كان يهودياً»، مع انه كان مسيحياً خالصاً، وان هناك عصابة ثلاثية تريد نشر الالحاد والاباحية في العالم، تتألف من داروين وماركس وفرويد، وتشكل اهم عنصر في مؤامرة عالمية يهودية.. انقدوا ما شئتم، أيها السادة، فهذه النظريات كانت بالفعل، وما زالت، تتعرض لنقد شديد، ولكن ليكن نقدكم مبنياً على فهم ومعرفة وتعمق». ولو عدنا الى التراث العربي - الاسلامي لوجدنا ان العديد من الفقهاء كانوا كذلك من الاعلام في مجالات اخرى.. بعيدة عن الفقه. فقد كان «ابن خلدون» مثلاً من مدرسي الفقه المالكي الى جانب كونه من كبار المؤرخين وعلماء الاجتماع. وكان «ابن حزم الاندلسي» فقيهاً ومحدثاً ومؤرخاً واديباً مؤلفاً في علم الكلام والعقائد والفلسفة. وكان «ابن رشد» فيلسوفاً وطبيباً وفقيهاً متبحراً في العلوم الشرعية والقضاء. وكان يلقب بقاضي قرطبة، الى جانب شرحه لكتب ارسطو ورده على الامام الغزالي الذي ألف كتاب «تهافت الفلاسفة»، فرد عليه ابن رشد في «تهافت التهافت». وفي مجال الطب، وضع ابن رشد كتاب «الكليات»، وكان له شأن في العصور الوسطى. ونعود الى محاولات الشيخ الشعراوي في اعادة تفسير القرآن الكريم وفق التطورات العلمية، كمعرفة جنس الجنين قبل ان يولد. فالآية 34 من سورة لقمان تقول «ويعلم ما في الأرحام». وقد سئل الشيخ، كما في كتاب «الفتاوى الكبرى»، ان العلم قد استطاع ان يصل الى نوع الجنين، هل هو ذكر او انثى؟ ويزيدون على ذلك ان العلم استطاع ان يخلق ما يطلقون عليه طفلاً صناعياً، وهذا يتناقض مع أحد المغيبات الخمسة، فما رأي فضيلتكم؟ وتقول الآية 34 من نفس السورة السابقة: (ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وماتدري نفس باي ارض تموت ان الله عليم خبير). ويعتبر المفسرون هذه «مفاتيح الغيب». ويقول الطبري في تفسيره، «ويعلم ما في الارحام، فلا يعلم احد ما في الارحام، أذكرٌ أو أُنثى، احمر او اسود، او ما هو؟ وينزل الغيث، فلا يعلم احد متى ينزل الغيث، ليلاً او نهاراً ينزل». وجاء في تفسير الجلالين، «ويعلم ما في الارحام أذكر أم اثنى». وقد سلّمت الاجيال المتعاقبة من المسلمين، بعدم القدرة على معرفة جنس الجنين، كما كان الاطباء انفسهم في المجلات المختلفة يجيبون على السائلين من النساء بذلك. وقد قال «طبيب الاسرة»، في زاويته بمجلة «العربي»، عدد اكتوبر 1959. لقارئة مستفسرة: « «لا ياسيدتي.. ليست توجد الى اليوم طريقة مؤكدة يستطيع بها الطبيب ان يعرف نوع طفلك قبل ان يولد، ذكر هو انثى.. والى اليوم لم يهتد احد الى شيء حاسم». وفي الوقت نفسه كان العلم غارقاً في بحار البيولوجيا وعلم الاجنة يبحث في ادق الاسرار، كما كان بعض المفكرين يتنبأ بمستقبل عجيب للبشر. فالكاتب البريطاني الشهير «ألدْوس هكسلي» Huxley اصدر عام 1932 كتاباً احدث ضجة كبرى بعنوان «عالم جديد شجاع» Brave New World، وكان ضمن ما قاله آنذاك، قبيل الحرب العالمية الثانية، ان عالم المستقبل لن يعرف كلمة الأم، Mother «لان الناس فيه، أبناءُ التلقيح في القوارير والبواتق»..! ثم حدثت في السنوات الاخيرة «فتوحات علمية» متلاحقة في علم الاجنة والتناسل والحمل والولادة وقضايا الجينات والاستنساخ وتأجير الارحام وغير ذلك، فبتنا لا نعرف ما الحدود التي ستتوقف دونها هذه الفتوحات! وكان للشيخ الشعراوي رؤية مختلفة عن كل التفاسير السابقة، وفهم جديد مخالف لكل الفهم السائد لمعنى هذه الآية منذ ظهرت كتب التفسير. يقول الشيخ: «نحن نقول لمن يدعي هذا الكلام، من الذي قال لك ان كلمة «ما»، معناها ذكر أم أنثى؟ ان كلمة «ما» معناها شقي ام سعيد، طويل أم قصير، أبيض أم أسود، عمره، رزقة، اجله، اسمه، كل شيء عن المخلوق الذي سيأتي الى الدنيا.. إذن.. فعلم الله سبحانه وتعالى في كلمة «ما» علم مطلق، فكيف تأتي انت وتحدده بذكر أم انثى.. ثم إن حقيقة الذكر والانثى ليست حقيقة علمية، ذلك ان الزوجة اما ان تلد ذكراً او انثى.. ولو كانت اجناس البشر متعددة غير ذكر او انثى، لكان الاستناد الى العلم هنا فيه شيء من الدقة.. ان ما في الارحام يشمل اكثر كثيراً من علم البشر من الآن، وحتى يوم الدين.» وهذه محاولة جريئة بلاشك في التفسير وفي امتصاص تطور العلوم فقهياً، ولكن هل يمكن المضي فيها «من الآن وحتى يوم الدين»، كما يقول الشيخ؟ فهناك مستجدات من قبيل التحكم بجنس الجنين، وربما يتقدم علم الجينات فيزداد تسلط الوالدين والاطباء على شخصية الجنين وطوله ولونه وعمره ومزاجه ومقاومته للامراض وقدراته العقلية وقواه العضلية وتوجهاته.. الى ما لا نهاية! فكيف سيساير «التفسير العلمي» كل هذه التطورات المحتملة، والتي تطل علينا برأسها اليوم؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا