النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10756 الخميس 20 سبتمبر 2018 الموافق 10 محرم 1439
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

الأزمة الاقتصادية وحدود الذهب

رابط مختصر
السبت 16 يناير 2010 - 30 محرم 1431هـ العدد 7586

لازال شبح الأزمة الاقتصادية يهيمن على كثير من التساؤلات اليومية التي تتردد في دوائر الإنسان المختص في الاقتصاد أو المال والتي تحمل في نفس الوقت مخاوف الإنسان العادي الذي تفترسه البيانات الاقتصادية المتناقضة والتفسيرات المتعددة التي تبثها وسائل الإعلام دون توقف. إن حالة الخوف وعدم اليقين، التي اوجدتها الأزمة الحالية دفعت الكثير من المستثمرين إلى التكالب على الذهب كملجأ آمن للودائع المصرفية، بعد فقدان سوق الاستثمار توازنه، تجنباً للوقوع في شباك التضخم وتآكل الودائع المصرفية. وساهم هذا التكالب في ارتفاع أسعار الذهب بصورة متلاحقة حتى وصل فيه سعر الأوقية إلى أكثر من 1200 دولار أمريكي بعد أن كان لا يتجاوز سعرها 42 دولاراً عام 1973 ، حتى بدت مخاوف البعض من هبوب رياح “فقاعة” نتيجة تلك الارتفاعات المتتالية للذهب وتراجع سعر صرف الدولار الأمريكي أمام العملات الرئيسية وشروع أسعار النفط في الارتفاع والاستقرار المؤقت حول 80 دولاراً، خاصة بعد اختلال توازن أضلع مثلث الاقتصاد العالمي المتمثلة في (الذهب، الدولار، النفط) التي يعتقد بتأثر بعضها ببعض حيث إن المشاهد هو مخالف للاعتقاد السائد أي عرف سعر صرف الدولار انخفاضاً حاداً والذهب ارتفاعاً قوياً وأسعار النفط تذبذباً كبيراً. كما تدخلت عوامل أخرى في سلسلة الارتفاعات التي عرفها الذهب في سعره منها مخاوف انخفاض قيم العملات الورقية بسبب التضخم في المدى البعيد بفعل برامج الإنعاش الاقتصادي في الدول الكبرى وما ضخته من مئات المليارات من الدولارات لاحتواء الأزمة المالية العالمية وكذلك تخفيض معدل الفائدة على الدولار من أجل تشجيع الإئتمان العالمي، إضافة إلى عودة إقبال المصارف المركزية في مختلف دول العالم كالصين والهند وروسيا على شرائه لامتلاكها كميات كبيرة من الدولارات كخطوة احترازية لتجنب فقدان احتياطيها من العملة الأمريكية واستباقية حال اتخاذ قرار دولي بالتحول عن الدولار كعملة عالمية رئيسية. ظل الذهب العملة التي قامت بوظائف النقود كوسيط للمبادلات ومقياس للحساب ومخزن للقيمة والإقراض وسداد الديون حتى القرن الثامن عشر الذي تم فيه استبداله بالعملة الورقية الإلزامية أو القانونية نتيجة التطور في الإنتاج وأصبح الذهب غطاء لتلك العملة الورقية وعملة الإحتياط الدولية حتى تم إزاحته عن العرش بدولار يفرض نفسه دولياً، غطاؤه الثقة وبما يمكن أن يشترى به من سلع وخدمات. لقد ولد الدولار من رحم ضرورة الطفرات الإنتاجية المتتابعة و الهائلة بفعل النمو الاقتصادي العالمي ، و لن تكون محدودية إنتاج الذهب إلا قيداً لهذه الطفرات كعملة إحتياط دولية. لهذا اصبح الذهب سلعة فقط تخضع كغيرها من السلع للمضاربة ويحتفظ به كاستثمار بدلاً عن الأوراق المالية أو الودائع المصرفية عند ما يزداد التضخم، إضافة إلى ذلك يمكن اعتبار دافع الطلب على الذهب، ما يشكله من معيار ثابت لقياس القيمة الشرائية للعملات الورقية. ويرى المحللون أن الإندفاع لإقتناء الذهب الذي يعتبره الكثيرون رمزاً “للزمن” من حيث الإثارة والقيمة ، جاء نتيجة لارتفاع أسعاره بما يقارب 400 في المائة خلال العشر سنوات الماضية، مما أثار كثيرا من مخاوف المضاربات. إلا أن هذه الإثارة قد تتضاءل ويفقد الذهب بريق الإعجاب به ، عندما يتم مقارنة أسعاره بعد تعديلها بمستويات التضخم أي أن السعر الفعلي للأوقية من الذهب في عام 1980 يعادل أكثر من ألفي دولار في الوقت الحاضر. إن عامل المضاربة لايشكل عاملًا رئيسياً في تذبذب أسعار الذهب ، بل إن كمية الدولار والحالة السياسية هما المؤثران بصورة فعلية حيث يحدد السعر العلاقة بين كمية الذهب المحدودة وكمية الدولار غير المحدودة، فترتفع أسعار الذهب الإسمية عند ازدياد كمية الدولارات وبالعكس. وتساهم الأحداث السياسية أيضاً في رفع أسعار الذهب وهذا ما شوهد على سبيل المثال خلال فترة أزمة رهائن السفارة الأمريكية ونقض معاهدة بروتن وودز و انفصال الدولار عن الذهب، حيث صاحبت هذه الأحداث ارتفاع أسعار الذهب بصورة جنونية نتيجة استغلال المضاربين للحدث ووفرة الدولارات غير المحدودة. لقد كشفت الأزمة المالية عن مخاوف كبيرة نتيجة تذبذب أسعار الدولار الأمريكي في كثير من البلدان ودرست من جوانب عديدة ولكن يظل عدم الإفصاح عن ذلك يمثل ضعفاً في قدرة العملات الأخرى على تحمل مسؤولية الدولار كعملة إحتياط دولية وعملة التبادل التجاري العالمية، نظراً لما يمثله الدولار على سبيل المثال في مجموعة آسيان + الصين و اليابان + كوريا الجنوبية من نسب كبيرة في الإحتياطيات النقدية ( 74 % ) وما يشكله ( 90 % ) في حجم التبادل التجاري في المجموعة نفسها، مما يجعله بعيداً عن التخلي عن موقع الأهمية والقوة رغم تمركز الصين واليابان وكوريا الجنوبية في هذه الكتلة الاقتصادية الهامة. وعلى الرغم من تعدد أسباب ارتفاع اسعار الذهب، سيظل حاملاً في جوفه احتمالات تصحيحية تتصف اسعارها بالهبوط، بدلاً من ارتفاع يتوق إليه بعض الدوائر الراغبة في أن يصل سعره إلى ألفي دولار حيث لا تعطيه العوامل الاقتصادية الأساسية هذا الحق، فهل سيظل هذا المنظور، قادراً على حفز التفكير في إبعاد الاعتقاد بوضع نظام نهائي لايتغير في التحليل الاقتصادي وبعيداً عن السياسة والمصالح التي تخدمها؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا